• الخميس 21 سبتمبر 2017
  • بتوقيت مصر01:49 ص
بحث متقدم

درس الديمقراطية.. في استقرار بريطانيا وفوضى فنزويلا

مقالات

أخبار متعلقة

في تأمل رسوخ الديمقراطية فكرة وقيمة ومبدأ وثقافة وممارسة ونظاما سياسيا مستقرا نتائجه تحظى بالاحترام، ويُمنع الالتفاف عليها بأساليب غير ديمقراطية، فإننا نستفيد دروسا في العوامل الحقيقية لحفظ الدول لكياناتها، وتكريس قواعد وجودها، وبقائها عفية عصية على الكسر أو التفكك أو السقوط، وحفظ الوحدة الوطنية للشعوب قوية متينة رغم تنوع مشاربها السياسية، واختلاف تياراتها الحزبية، واشتعال تنافسها في مجال الأفكار والرؤى والبرامج والانتخابات لخدمة الدولة والمجتمع كله.
ليس الأصل فقط إجراء انتخابات نزيهة، أو الوصول للحكم بانتخابات حرة، أو مواصلة رفع شعارات الحكم الديمقراطي، أو أن الصناديق هي الفيصل في بقاء الحاكم أو صرفه، كل ذلك ضروري، لكنه قد يكون شكليا خاليا من جوهر الإيمان الحقيقي بمعنى النظام الديمقراطي، أي يجري تفريغ الديمقراطية من لب عملها وأهدافها لتصير مجرد شعارات خادعة للتغطية على استبداد شديد النزعة، مقرون بممارسات عنيفة في الرد على المعارضين، يتفنن في تحصين نفسه بالإجراءات الاستثنائية، ويلعب على أوتار التخويف من أخطار كامنة في حديث الصوت الآخر، ويصطنع أعداء وهميين لحشد الناس في حروب خيالية.
الأصل أن الديمقراطية نظام يُؤخذ كاملا ويُمارس في الواقع السياسي بصرامة وشفافية، لا ميزة خاصة للأشخاص الذين يتصدون للعمل العام، إنما الميزة للنظام الديمقراطي الذي يتصارعون لملء مقاعده، والإخلاص لنهج الحكم وفق آلياته، والأشخاص فيه يكتسبون أهميتهم داخليا وخارجيا من أهمية هذا النظام.
سأعرض نموذجين ديمقراطيين لنرى الفارق الشاسع بينهما في بناء الدولة وتحقيق استقرارها وبناء مجتمع متآلف رغم اختلاف توجهاته وتوزع انتماءاته، والدور المؤثر الذي تقوم به الدولة الديمقراطية في محيطها وفي العالم.
النموذج الأول هو بريطانيا، دولة عريقة ديمقراطيا، وراءها تاريخ طويل، تضيف إلى الديمقراطية ولا تخصم منها، قوية سياسيا واقتصاديا، فاعلة أوروبيا ودوليا، ما يجعلها كذلك وأكثر هو نظامها الديمقراطي المستمر بلا تلاعب فيه، ولا التفكير في النيل منه أو الانقلاب عليه مهما كانت الأزمات السياسية.
مشهد استفتاء 23 يونيو 2016 على البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي خرج بفارق محدود لصالح ترك الاتحاد، فكان السلوك الحضاري من الحكومة الإقرار بالنتيجة واحترامها رغم سلبيات المغادرة على بريطانيا، وفورا قدم رئيس الحكومة ديفيد كاميرون استقالته لأن النتيجة التي لم تكن لصالحه بمثابة تصويت على الثقة فيه، عاد مواطنا عاديا، لكن بقيت بريطانيا دولة كبرى بفضل ديمقراطيتها.
مشهد الانتخابات المبكرة في 8 يونيو 2017، خسرت فيها رئيسة الحكومة تريزا ماي أغلبية حزبها في البرلمان بعكس ما كانت تريد من اكتساب دعم شعبي وبرلماني يرتبط باسمها كقائدة للحزب الحاكم «المحافظين» ورئيسة للحكومة، أخفقت في مسعاها، اجتهدت لتتحالف مع حزب صغير لتوفر الأغلبية لنيل ثقة البرلمان لحكومتها، تواضعت سياسيا، تراجعت جزئيا عن بنود في برنامج التقشف الذي أفقدها أصواتا انتخابية، خرجت مظاهرات الاحتجاجية على سياستها في التقشف، تتعرض لانتقادات حادة من المعارضة ومن داخل حزبها، قد لا تكمل فترة الخمس سنوات وتستقيل ليقود الحزب والحكومة سياسي آخر حيث صارت أضعف بعد الانتخابات، لكن مع كل ذلك فالحياة تسير بشكل طبيعي، والصراع السياسي يصب في خدمة المواطنين، وكل الأحزاب تحترم نتائج الصندوق والتحالفات لتشكيل الحكومة، بريطانيا تظل قوية هكذا، مثل أي بلد ديمقراطي حقيقي في الغرب والعالم.
النموذج الثاني هو فنزويلا، ديمقراطية ناشئة، تشهد انتخابات نزيهة فعلا، لكن مع ذلك لا تنجح الديمقراطية في حل التناقضات بين الرئيس والمعارضة التي تحوز أغلبية البرلمان، نيكولاس مادورو تلميذ الراحل هوجو تشافيز، رئيس منتخب بفارق أقل من 1% عن مرشح المعارضة في 14 أبريل 2013، لكن داخله بذرة استبداد، مؤسسات وأجهزة الدولة لا تدعم ولا تحمي الديمقراطية، ولا تواجه نزوع الرئيس نحو التشبث بالسلطة ولو على حساب انهيار الدولة بعكس ما تفعل المؤسسات في أمريكا حيث تدافع عن الديمقراطية وتحميها في مواجهة رئيس لا يحترم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي أوصلته للحكم، انحيازات المؤسسات في فنزويلا تساهم في تعميق الأزمة العنيفة لهذا البلد الذي يعيش واحدة من أشد كوارث السياسة والاقتصاد في العالم، بلد على شفا الإفلاس رغم ثروته النفطية الكبيرة، الصراع السياسي الذي لا يحترم قيم الديمقراطية في حل الأزمة المستحكمة بالاحتكام للشعب في انتخابات رئاسية مبكرة قبل عامين من الموعد الطبيعي لها في 2019 يترشح فيها مادورو لو أراد لقياس حقيقة شعبيته ومدى ثقة المواطنين في جدارته بالقيادة مجددا، هذا الصراع يهدد كيان فنزويلا ويحدث انقساما مجتمعيا هائلا، ويُسقط الشعب في مستنقعات الفقر والتسول والخروج على القانون بارتكاب مختلف أنواع الجرائم للعيش والبقاء على قيد الحياة.
وتتواصل حاليا موجة جديدة من الاحتجاجات الدموية منذ شهر أبريل الماضي، سقط خلالها 89 قتيلا حتى الآن، وهناك ترد شامل لدولة تعوم على خيرات وموارد ضخمة، لكن في وجود نظام ديمقراطي فاعل يحظى بالاحترام تظهر قوة واستقرار بريطانيا ومثيلاتها، وفي غياب هذا النظام يكون الضعف والفوضى أمرا طبيعيا في فنزويلا وشبيهاتها.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع عودة أحمد شفيق إلى مصر لخوض انتخابات الرئاسة؟

  • فجر

    04:24 ص
  • فجر

    04:24

  • شروق

    05:47

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:21

  • مغرب

    17:58

  • عشاء

    19:28

من الى