• الثلاثاء 26 سبتمبر 2017
  • بتوقيت مصر11:50 م
بحث متقدم

السياسة تقدير موقف

وجهة نظر

د. عمرو عبد الكريم سعداوي
د. عمرو عبد الكريم سعداوي

د. عمرو عبد الكريم سعداوي

أخبار متعلقة

إذا كانت السياسة في جوهرها أو في أحد أشهر تعريفاتها هي فن الممكن، أقصى الممكن، فهي كذلك فن تقدير المواقف، أو بالأحرى علم التقدير: للمواقف، والظروف، والاتجاهات، وملابسات الأحداث، والحلفاء والخصوم أو الأعداء، ومعرفة قدراتهم وخططهم وأهدافهم، وشبكات التحالف والصراع وسقوف التحالف والصراع، وحجم المصالح المتبناة، ودرجة المرونة المطلوبة أو التجاوب مع ضغوط ربما لم يكن لهذا الطرف السياسي أو ذاك طاقة بمواجهتها أو تحمل تداعياتها ونتائجها.
التقدير هو جوهر العلم السياسي والعمل السياسي، ولا علم سياسي ولا عمل سياسي بدون تقدير دقيق لسقف الطموحات والتطلعات وحدود الموقف، ليس فقط من حيث رفع الواقع أو رصد الواقع على الأرض بل أيضا من حيث مآلاته وعواقبه، فالتقدير الدقيق هو للواقع والمستقبل، للحال والمآل، للمنظور والمترقب، ولا يمكن الاستخفاف بتداعيات المواقف والاختيارات السياسية خاصة في ساحة علاقات إقليمية ودولية تمور بالصراع من كل حدب وصوب وتتشابك المصالح فيها بما يعيد فرز شبكات التحالف والصراع على أسس معايرة لما قد يكون بني الموقف السياسي عليه سلفا.
التقدير الدقيق للواقع وآثار القرارات في المستقبل هو جوهر عملية التدبير والتسيير، ولا يمكن رسم معالم خطط سياسية لا تستصحب الواقع بقيوده ولا المستقبل بحدوده.
وإذا كانت السنن غلاّبة فإن المعادلات حاكمة، وشبكات التحالف والصراع متداخلة، والسياسات متشابكة، ولم تعد الحدود نقاط فصل بل أصبحت مراكز وصل وأضحت في حالة السيولة التي يعيشها عالمنا أقرب للتخوم المتداخلة منها للحدود الفاصلة، فلم تعد هناك حدود واضحة بين الداخل والخارج، ولم تعد الفواصل كبيرة بين المحلي والإقليمي والدولي في بيئة مواتية للتداخل الشديد بين السياسات وعواقبها والقرارات وآثارها، والنتائج وتداعياتها.
إن جوهر أي اختيار سياسي يقوم على التقدير الدقيق للواقع الحالي، وما يمكن أن تؤول إليه التطورات في المستقبل القريب والبعيد، وإذا فقد الاختيار السياسي عنصر النظر في مآلات الأمور فهو قفز في المجهول وتجاوز لقوانين الاجتماع وطرائق الحراك السياسي المعتاد، ورهان على ما يمكن أن تجود به الظروف أو تحول دون مروره التداخلات الدقيقة بين الأطراف السياسية ومصالحها المتداخلة والمتشابكة.
وإذا كانت معايير الاهتمام بأوقات التنفيذ للمهام والأعمال المطلوبة تتطلب إدراك عنصر سرعة السير ومعدلاته، فإن ضبط البوصلة ومعرفة اتجاه السير أهم من سرعة السير، فالسير في الاتجاه الصحيح يضمن الوصول للوجهة المطلوبة ولو متأخرا، أما السير في الاتجاه الخطأ فيضمن عدم الوصول للوجهة المطلوبة ولو وصل سريعا.
على أي أرض نقف؟ وما هي حدود الحركة؟ وما هي تداعيات المواقف والاختيارات السياسية؟ وما هي قوة وحجم التحالفات التي تبنى عليها المواقف؟ وما إذا كانت تحالفات استراتيجية أم تحالفات عابرة؟ وما إذا كانت المصالح التي تبنى عليها المواقف دائمة أم مؤقتة أسئلة مهمة في بناء أي اختيار أو موقف سياسي.
والاختيارات السياسية الدقيقة نادرا ما تقوم على المعادلات الصفرية، ولا على التقديرات الصفرية، ولا على المواقف الصفرية، المعادلات الصفرية هي أقرب ما تكون للقمار المحرم، ومن يتخذها يغامر مغامرة غير محسوبة العواقب ولا مأمونة النتائج، صحيح أنها قد تحقق من المكاسب السياسية ما لا يحققه منهج التدرج وأنصاف الحلول والمواقف الوسط من مكاسب إنما أيضا الخطأ في حسابها خطأ استراتيجي مكلف لدرجة ربما لا يتحملها من اتخذ هذا الموقف.
فالسياسة كما أنها معرفة كيفية دخول المعارك والصراعات هي كذلك معرفة متى تخرج من المعارك والصراعات بأقل الخسائر وبأقل التكاليف، وليس كل الانسحاب أو التراجع فرار فقد يكون كرّ، ومن المهم معرفة متى تفرّ ومتى تكرّ، متى تتقدم ومتى تتقهقر وهذا الأمر هو جوهر عملية التقدير للمواقف، فقد يكون الحفاظ على المقدرات والإمكانات من الهدر بعدم الدخول في معارك خاسرة أو معروفة نتيجتها سلفا هو أجرأ القرارات وأشجعها.
السياسة: 
تقدير موقف، 
ورفع دقيق للواقع،
ونظر عميق للمستقبل،
ورؤية مبصرة لشبكات التحالف والصراع،
واستراتيجيات شاملة للمصالح والعلاقات.
وبدون حسابات دقيقة لكل ما سبق تكون المواقف والاختيارات السياسية قفز في المجهول وخوض دروب الصحراء دون أي مساعدة ممن يعرف المتاهات والدروب أو الاستعانة بالأجهزة الحديثة (GPS) التي تحدد المواقع والاتجاهات وتقدر المسافات.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع عودة أحمد شفيق إلى مصر لخوض انتخابات الرئاسة؟

  • فجر

    04:28 ص
  • فجر

    04:27

  • شروق

    05:50

  • ظهر

    11:51

  • عصر

    15:17

  • مغرب

    17:51

  • عشاء

    19:21

من الى