• الثلاثاء 21 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر04:26 ص
بحث متقدم

تحذير العباد من مغبة ظهور الفساد

وجهة نظر

أحمد السيد على إبراهيم
أحمد السيد على إبراهيم

المستشار / أحمد السيد على إبراهيم

أخبار متعلقة

الحمد لله حمدا لا ينفد ، أفضل ما ينبغي أن يحمد ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تعبد ، أما بعد ،،،
فإن الناظر إلى شيوع الفساد بكافة أشكاله وصوره ، وعمومه للبر والبحر ، يراه نذير شؤم للبشرية جمعاء ، يحتاج منها المبادرة بالتوبة ، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ، فما شاع الفساد إلا بما كسبت أيديهم مصداقا لقوله  تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ( الروم : 41 )
فقد تضمنت هذه الآية الكريمة ،  النتيجة ، و السبب ، و الجزاء ، و العلاج ، ولنا مع هذا البيان التفصيل الآتى :  
أولا :  النتيجة : ظهور الفساد بكافة أشكاله وصوره ، وعمومه للبر والبحر :-
قال محمد الطاهر بن عاشور – رحمه الله – في " تفسيره التحرير والتنوير " : { والفساد : سوء الحال ، وهو ضد الصلاح ، ودل قوله في البر والبحر على أنه سوء الأحوال في ما ينتفع به الناس من خيرات الأرض برها وبحرها .
ثم التعريف في الفساد : إما أن يكون تعريف العهد لفساد معهود لدى المخاطبين ، وإما أن يكون تعريف الجنس الشامل لكل فساد ظهر في الأرض برها وبحرها أنه فساد في أحوال البر والبحر ، لا في أعمال الناس بدليل قوله ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون .
وفساد البر يكون بفقدان منافعه وحدوث مضاره ، مثل حبس الأقوات من الزرع والثمار والكلأ ، وفي موتان الحيوان المنتفع به ، وفي انتقال الوحوش التي تصاد من جراء قحط الأرض إلى أرضين أخرى ، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات وأمراض .
وفساد البحر كذلك يظهر في تعطيل منافعه من قلة الحيتان واللؤلؤ والمرجان ( فقد كانا من أعظم موارد بلاد العرب ) وكثرة الزوابع الحائلة عن الأسفار في البحر ، ونضوب مياه الأنهار وانحباس فيضانها الذي به يستقي الناس . وقيل : أريد بالبر البوادي وأهل الغمور وبالبحر المدن والقرى ، وهو عن مجاهد وعكرمة وقال : إن العرب تسمي الأمصار بحرا . قيل : ومنه قول سعد بن عبادة في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول : ( ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ) يعني بالبحرة مدينة يثرب وفيه بعد .
وكأن الذي دعا إلى سلوك هذا الوجه في إطلاق البحر أنه لم يعرف أنه حدث اختلال في سير الناس في البحر وقلة فيما يخرج منه . وقد ذكر أهل السير أن قريشا أصيبوا بقحط وأكلوا الميتة والعظام ، ولم يذكروا أنهم تعطلت أسفارهم في البحر ولا انقطعت عنهم حيتان البحر ، على أنهم ما كانوا يعرفون بالاقتيات من الحيتان . } أهـ .
أمثلة للفساد في البر والبحر :
1- إنتشار أمراض السرطان ، والفشل الكلوى ، وتليف الكبد الناتج عن كثرة إستعمال الهرمونات ، والمواد المحرمة في حقن وتغذية الفاكهة ، والخضر ، والدواجن ، والأسماك ، وغيرها ، إستعجالا لنموها ، وزيادة وزنها لتحقيق الكسب السريع .
2- نفوق آلاف الأطنان من الأسماك والكائنات البحرية نتيجة إلقاء المخلفات الصناعية في موارد المياة .
3- مصرع الآلاف صعقا بالكهرباء ، وغرقا ببالوعات المجارى ، وسقوطا من أعلى الكبارى نتيجة سرقة أغطية أعمدة الكهرباء ، وبالوعات المجارى ، وأسوار الكبارى الحديد .
4- مصرع وإصابة الآلاف في حوادث الطرق نتيجة للغش في قطع غيار السيارات .
5- ظاهرة تغير المناخ التي يشهدها العالم الآن وما يواكبها من آثار بيئية ، من ارتفاع لدرجات الحرارة في الصيف ، وبرودة الطقس في الشتاء ، وذوبان الجليد في القطبين الشمالى والجنوبى بما يمثله من خطورة غرق المدن الساحلية .
ثانيا : السبب : بما كسبت أيدى الناس من ترك للواجبات ، وإنتهاك للحرمات :
بينت الآية الكريمة أن سبب الفساد الذى ظهر في البر والبحر ، هو ما كسبته أيدى الناس ، جزاء وفاقا ، وقد جاءت آيات كثيرة تقرر ذلك فقال تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } ( الشورى : 30 ) ،  قال ابن جرير الطبري - رحمه الله - في " تفسيره " :  { قوله تعالى : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) يقول تعالى ذِكْرُه : وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم ( فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) يقول : فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترحتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ، ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها . } أهـ .
وقال ابن كثير رحمه الله – في " تفسيره " : { وقوله : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) أي : مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هو عن سيئات تَقدَّمت لكم ( وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) أي : مِن السيئات ، فلا يُجازيكم عليها بل يعفو عنها . } أهـ .
وقد أكد النبى صلى الله عليه وسلم  هذه الحقيقة ، فعن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما قال : { أقبلَ علينا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ يا معشرَ المُهاجِرينَ خمسٌ إذا ابتُليتُمْ بِهِنَّ وأعوذُ باللَّهِ أن تدرِكوهنَّ ، لم تَظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلِنوا بِها إلَّا فَشا فيهمُ الطَّاعونُ والأوجاعُ الَّتي لم تَكُن مَضت في أسلافِهِمُ الَّذينَ مَضوا ، ولم ينقُصوا المِكْيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنينَ وشدَّةِ المئونَةِ وجَورِ السُّلطانِ عليهِم ، ولم يمنَعوا زَكاةَ أموالِهِم إلَّا مُنِعوا القَطرَ منَ السَّماءِ ولَولا البَهائمُ لم يُمطَروا ، ولم يَنقُضوا عَهْدَ اللَّهِ وعَهْدَ رسولِهِ إلَّا سلَّطَ اللَّهُ عليهم عدوًّا من غيرِهِم فأخَذوا بعضَ ما في أيدَيهِم ، وما لَم تَحكُم أئمَّتُهُم بِكِتابِ اللَّهِ ويتخيَّروا مِمَّا أنزلَ اللَّهُ إلَّا جعلَ اللَّهُ بأسَهُم بينَهُم } ( رواه إبن ماجه وحسنه الألبانى )
فبين الحديث بعض أسباب المعاصى وما يترتب عليها من نتائج ، وهى :
1- ظهور الفاحشة سبب في إنتشار الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ، فعرفت البشرية الإيدز وسموه طاعون العصر .
2- التلاعب في المكيال والميزان سبب لأخذهم بالسنين ( الجوع والقحط عاما بعد عام )، وشدة المؤنة (غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وضيق العيش . ) ، وجور السلطان عليهم أي ظلمه لهم .
3- منع الزكاة سبب لمنع سقوط الأمطار .
4- نقض العهود والمواثيق بين الناس ، و ترك ما أمر الله عز وجل به وارتكاب ما نهى الله عنه ، سبب لتسليط الأعداء  من غير المسلمين عليهم ، فيأخذون بلاد المسلمين ، أو يتحكمون في مقدرات بلاد المسلمين وثرواتهم .
5- ترك الحكم بغير ما أنزل الله سبب للشقاق ، والعداوة ، والتنافر بينهم .
شبهة والرد عليها :
بعض الناس يهونون من أمر المعاصى ، فإذا ما ألمت بفاعليها كارثة ، سارعوا بإلصاقها بالطبيعة ، ونفوا نسبتها إلى ما كسبت أيدى الناس ، وليس أدل على ذلك مما حدث من تسونامى جنوب شرق أسيا في عام 2004 ، والذى أرجعه علماء الأمة إلى عقاب الله لكثرة المعاصى بشواطىء تلك البلاد ، فما كان من هؤلاء إلا السخرية منهم ، وإرجاع الأمر إلى الظواهر الطبيعية ، وقالوا لماذا لم يصب الغرب بمثل هذه الكوارث ، وقد كفر بالله ربا ونحى شرعه ، وبالرغم من ذلك فإنهم يرفلون في النعيم ؟!! وخطر شبهة هؤلاء أنها عائق بين الناس وبين التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى .
الرد عليها : أولا : أن الفساد في الأرض عم جميع دول العالم ، فلا تكاد دولة تسلم منه ، وهذا أمر مشاهد ، من تلوث ، وكوارث ، وتفشى أمراض ، وغيرها ، وما حدث في تسونامى اليابان خير شاهد على عموم العذاب للجميع .
ثانيا : أنهم وإن نعموا في الدنيا ، أخذوا بعقوبة كفرهم في الآخرة . قال القرطبي – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى : { { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } ( الشورى : 30 ) ... قال علماؤنا : وهذا في حق المؤمنين ، فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة . } أهـ .
وهذا صحيح لقوله عليه الصلاة والسلام : { إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . } ( رواه الترمذي ، وحسنه الألباني } .
أسباب ظهور الفساد :-
بتتبع كلمة الفساد في القرآن الكريم تبين أن بعضها يحمل أسبابه ، وهى كالتالى :
1- ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : قال تعالى : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } ( البقرة : 251 ) ، فالحياة تفسد بفساد أهلها ، وفسادُهم بالظلم والعصيان ومخالفتهم أمر ربهم ، ودفع الله الناس بعضهم ببعض يوحي بأن أناسا ألفوا الفساد وأُشرِبوه ، وفي المقابل طائفة نجت بنفسها من الفساد ، ولم يكتفوا بذلك بل قاوموه وحاربوه ، وهؤلاء هم أهل الإصلاح وورثة الأنبياء .
2- إتباع الهوى : قال تعالى : { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ } ( المؤمنون : 71 )
فالإنسان ما لم يكبح جماح شهواته وغرائزه ، كالأنانية والجشع والطمع وحب التسلط وغيرها ، ويضع حدّاً لنزواته وميوله النفسية الطائشة فإن النفس تجمح بالإنسان وتقوده إلى الفساد الذي قد يطغى على السموات والأرض .
3- فساد بعض الملوك : قال تعالى : { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } ( النمل : 34 )  .
4- الإبتعاد عن الشريعة ، وعدم تحكيمها : قال تعالى : { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ  } ( الأنفال : 73 ) . و قال تعالى : { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ } ( آل عمران : 63 )  أي إن أعرضوا عن دين الله وأحكامه فلا يتوهمنّ أن الله غافلٌ عنهم بل إن الله عليم بفساد المفسدين الذين يعدلون عن الحق إلى الباطل أي الذين يبتعدون عن الحق ويلجأون إلى الباطل .
5- عدم الإيمان : قال تعالى : { وَمِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ } ( يونس : 40 )
فإن عدم الدين الحنيف والتشكيك فيه يعتبر مظهراً من مظاهر الفساد الديني الذي تواجهه الأمة ، وقد تعددت أشكال الفساد واتسع مداها وأصبحت تشمل كل جوانب الحياة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية والدولية .
6- ظلم الناس حقوقهم : قال تعالى : { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } ( الشعراء : 138 ) . وهو من أسوأ أشكال فساد النفس التي يقدم صاحبها على التجرؤ على الله ورسالته وعباده فيظلمهم فيما يملكون .
7- الجهل : قال شهاب الدين القرافي - رحمه الله – في " الفروق " : { وأصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل ، فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت ، كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم ،  فاجتهد في تحصيله ما استطعت ، والله تعالى هو المعين .. } أهـ .
ثالثا : الجزاء : ليذيقهم بعض الذى عملوا :-
ومن عدل الله تعالى أن يعجل للناس عقوبتهم في الدنيا بما كسبت أيديهم ، فقال تعالى : { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ? وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَ?ؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ } ( الزمر : 51 ) ومن رحمته بهم ألا يؤاخذهم بكل ذنوبهم ، وبكل ما كسبت أيديهم ، ولو فعل ذلك ما ترك على ظهر الأرض من دابة ، وإنما يؤخرهم إلى يوم يلقونه ، قال تعالى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى? ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَ?كِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى ? فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا } ( فاطر : 45 ) ويؤاخذهم – فقط - ببعض ذنوبهم ، قال تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيْدُ اللهُ أَنْ يُصِيْبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوْبِهِمْ } ( المائدة : 45 ) ، ويعفو عن كثير مما كسبت أيديهم ، قال تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } ( الشورى : 30 ) وهذا من كمال رحمة الله بعباده ، يذيقهم بعض ما عملوا للعودة إليه ، والرجوع إلى شرعه . وهذا مثل أن يعاقب الإب إبنه على بعض أخطائه ، مع كمال حبه له ، لزجره عن إتيانها مستقبلا ، وقد يتغاضى عن كثير من الأخطاء .
رابعا : العلاج : لعلهم يرجعون إلى ربهم بالتوبة والإنابة :-
بين الله سبحانه وتعالى العلاج الماحى للفساد الذى عم البر والبحر ، والذى يكمن في التوبة والرجوع إليه سبحانه وتعالى ، وإستشعار العباد بذنوبهم ، وأنهم ما أخذوا إلا بها ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في " مجموع رسائله " : { أن يشهد ذنوبه ، وأن الله إنما سلط الناس عليه بسبب ذنبه ، كما قال تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير ٍ} ، فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه ، إشتغل بالتوبة والإستغفار من الذنوب التي سلطهم عليه بسببها عن ذنبهم ولومهم ، والوقيعة فيه ، وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار ، فاعلم أن مصيبته مصيبة حقيقية ، وإذا تاب واستغفر ، وقال : هذا بذنوبي ، صارت في حقه نعمة ، قال علي رضي الله عنه كلمة من جواهر الكلام : " لا يرجونّ عبدٌ إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه " ، وروي عنه وعن غيره : " ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة " } أهـ .
 فمن علم من العباد هذه الحقيقة سارع إليها ، ولم يستبدلها بغيرها ، أما من طمس على بصيرته فتراه متخبطا يبحث عن الحل لإزالة ما ألم به في غير ما شرعه الله ، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار ، والحل يكمن بين يديه { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } ( الرعد : 11 ) ، فلن يغير الله ما حاق بنا من مظاهر الفساد ، حتى نغير ما بأنفسنا من بعد عن شرعه ، ولن يرفع الله ضنك المعيشة إلا بالرجوع إلى قرآنه وسنته قال تعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى? } ( طه : 124 ) ، فإذا ما أصر العباد على مبارزة الله بالمعاصى زاد الله في عقوبته لعلهم يرجعون .
والله الموفق .

* نائب رئيس هيئة قضايا الدولة – الكاتب بمجلة التوحيد


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • فجر

    05:05 ص
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:32

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى