• الأربعاء 26 يوليه 2017
  • بتوقيت مصر06:28 م
بحث متقدم

المصريون فى عيون مثقفيهم..الأمل وخيبة الأمل

مقالات

أخبار متعلقة

كتبت أكثر من مرة عن خصائص الشخصية المصرية وصفاتها ومواقفها كما رآها عدد من مفكرينا ومثقفينا من خلال دراسات متخصصة لأكاديميين كبار على رأسهم بالطبع العلامة جمال حمدان وجلال أمين أو من خلال متابعات دقيقة فاحصة لمثقفين وسياسيين اهتموا برصد طبائع المصريين وأحوالهم عبر الفترات التاريخية المختلفة أبرزها كتابات د/احمد عكاشة ود/خليل فاضل والاثنين بالمناسبة أطباء نفسيين لكن مقاربتهم للموضوع كانت مقاربة المثقف المهتم المتأمل لأحوال المجتمع والناس من حوله لا الاكاديمى المتخصص الذى يضع دراسات وإحصاءات لأصحاب القرار.لاشك أن تخصصهم المهنى فتح لهم نافذة يطلون منها على أعماق المجتمع من خلال مرضاهم القادمين من تلك الأعماق .
 لا أنكر اهتمامي الخاص بهذا الجانب الهام من جوانب العلوم الإنسانية وهى العلوم التى للأسف هجرها المتفوقون والنابهون من الشباب جريا وراء أحلام صغيرة لأب وأم مشوشى التفكير والفهم عن معنى المستقبل والسعادة والثراء والنفوذ ومن منا ينسى دخول والدة الشهيد عبد المنعم رياض عليه وهو فى غرفته ذات صباح وكان يقرأ في المصحف ويبكي لدرجة أن دموعه كانت تبلل صفحات المصحف وعندما سألته عن سبب هذا البكاء قال لها: انه كان يتمنى دخول الكليةالحربية  بدلا من كلية الطب (كان فى ثانية طب وقتها)فتأثرت والدته بهذا الموقف كثيرا ومسحت دموعه وقالت له غدا تذهب الى الكلية الحربية وتسأل عن التقديم وكان أخر يوم لتلقى  طلبات الالتحاق!!وتخرج بعد عامين وكان ترتيبه الثانى والتحق بعدهابكلية أركان الحرب وتخرج منها وكان تريبه الأول (1944)..لكم ان تتخيلوا ماذا لو كان قد أكمل الجنرال الذهبى دراسته فى كلية الطب!؟ ودعونا نعب من الخيال عبا عبيبا ونقول ماذا لوكان قد أخذ مساره الطبيعى فى الترقى والصعود داخل القوات المسلحة وقد كانت شهرته وسمعته كأحد العبقريات العسكرية الفريدة ملء السمع والبصر لدرجة ان اسرائيل خشيت ان يحدث خطأ ما ويكون فى المكان الصحيح داخل الجيش فطلبت من احد الملوك العرب أن يطلبه شخصيا من البكباشى ليكون قائدا للقوات العربية المشتركة فى بلاده بعيدا عن الميدان وبعيدا عن الحقيقة ..وكان المجال العسكرى والوطنى أصلا لا يتسع لأمثاله إذ كان يملؤه عامر وشمس ومرتجى والغول والدغيدى فى جمهورية البكباشى الذى أحب مصر والمصريين كما لم يحبها احد لا قبلا ولا بعدا
عفوا لهذا الاستطراد الذى وجدتنى مدفوعا له مع نتائج الثانوية العامة ومع أوجاع المصريين التى لا يكف لها أنين
اختلف الباحثون كثيرا حول الصفات الثابته والمتغيرة فى الشخصية المصرية وذهب بعضهم إلى انه لا يوجد أصلا مصطلح بهذا المعنى(الشخصية المصرية) ويقولون ان الأصوب هو مصطلح (الطبيعة المصرية)حيث يكون التركيزعلى الخصائص السلوكية العامة للإنسان للمصري مثل الارتباط بالأسرة والصبر وطول البال والخفة والفكاهة والمرح والتدين الفطري  لكنهم رصدوا تغيرات بارزة وخطيرة طرأت _وأقول طرأت لأنها بالفعل طارئة وليست أصيلة_ على المصريين فى العقود الاخيرة مثل : الإفراط فى الفهلوة والجمود والتواكل وضعف التوجه العلمي والانتهازية وعدم تقدير المسئولية تبلد العواطف الأسرية وهى حالة جديدة بالفعل على المصريين (عدد كبير من العاملات المصريات ازواجهم لا يعملون ويأكلون ما تحضره لهم زوجاتهم أخر النهار)وأيضاغفلة الضمير واللامبالاة والسلبية ويحكى لنا د/ احمد هيكل فى مذكراته انه حين كان  تلميذا فى معهد الزقازيق الازهرى وكان يرتدى الزى الازهرى ضايقه احد المتسكعين السفلة ووضع ذراعه فى ذراعه ليضحك عليه الناس ,يقول ان الناس فى الشارع الطويل العريض وقفوا يتفرجونعليه ويضحكون من المشهد دون ان يتقدم أحدهم ليخلصه من هذا الصعلوك ,هذا الكلام كان فى أوائل الثلاثينيات أيام الاحتلال والحرب العالمية الثانية وأثارها الاخلاقية على المصريين وقد يكون مبررا ومفهوما وقتها رغم فجاجته ووقاحته ..الان ان تستطيع ان ترى مثل هذا المشهد كثيرا بتنويعات مختلفة وفى الاحياء الشعبية ووسائل المواصلات الشعبية التى كان يتميز أهلها بالرجولة والمروءة.
د/ محمود عودة أستاذ علم الاجتماع بأداب عين شمس وأحد الاسماء الكبيرة فى هذا التخصص وله سفر كبيرعن علم الاجتماع بعنوان(أسس علم الاجتماع)كتب دراسة جميلة للغاية وهامة للغاية نشرتها دار(عين للدراسات الاجتماعية) عام 2007 بعنوان(التكيف والمقاومة..الجذور الاجتماعية والسياسية للشخصية المصرية) ووقف عند أهم صفتين رصدهما فى الشخصية المصرية عبر تاريخها المتنوع وهما(التكيف والمقاومة)والكلمتين واضحتين بما يغنى عن كل التفسيرات والشروحات والأمثال الشعبية التى تفلسف وتورث معانيهما  تفسيرا عديدة وكثيرة
في كل الأحوال يرى د/عودة إنهما مفتاحان أساسيان لفهم الشخصية المصرية وهو يرى أن المصريين_ من طول ما لجئوا لهاتين الصفتين_ طوروا وسائلهم الخاصة للتكيف مع الصعوبات وأشكال القهر المتعددة كما طوروا أيضا وسائلهم الخاصة للمقاومة سواء كانت مقاومة محتل أو مستبد .. هناك صعوبة التمييز بين وسائل التكيف ووسائل المقاومة واختلاط وازدواجية أدوارهما إلى المدي الذي يمكن فيه اعتبار التكيف في ذاته جزء من المقاومة واطلقوا عليه(مقاومة سلبية).
من أبرز اشكال التكيف وخصائصه كما يقول د/عودة: التصور الهرمي للمجتمع /الازدواجية (تجد الفرد يعيش بشخصيتين ما ينادى به وما يفعله) السلبية /الأنامالية/التحايل على علاقات القهر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ..
التصور الهرمي للمجتمع من اخطر الصفات التى أشار اليها الكاتب ولا تزال عيوبه واثاره ظاهرة في الشخصية المصرية عبر كافة الفئات والشرائح والطبقات الاجتماعية مثل فقدان المبادرة وانتظار التوجيهات ممن هو أعلى والرضا والقناعة والبعد عن التطلع والخوف والحذر والشك والريبة والعداء في مواجهة السلطة والنفاق والرياء والمداراة والارتباط بالأشخاص ويبدو أن الخوف من الوقوع في الخطأ وتجنب المبادرة من ناحية وغياب السياسات العامة والتقاليد الراسخة هو ما يؤدي دائما إلى ظاهرة انتظار التوجيهات فالتدخلات الحاسمة تنتظر دائما توجيهات (السلطة)ويحرص المسئولون عند المستويات الأدنى غالبا على المحافظة على الشكل الهرمي هذا فيصدرون قراراتهم بعبارة خالدة(بناء على توجيهات..) ولا يجري ذلك عند المستوى البيروقراطي الأعلى فقط  بل على كافة المستويات البيروقراطية. الظاهرة الأكثر خطورة هى ظاهرة الارتباط بالأشخاص وهي من أكثر الظواهر التي تولد المحسوبية والشللية ( وما ادراك ما المحسوبية والشللية) ومن اقترب من التنظيمات السياسية ومن الصفوة الحاكمة فى الدولة يعرف أنها ضرورة هامة للحفاظ على أدوات القوة داخل التنظيم او جماعة الصفوة ,, لازم تكون لك شلتك ..وهي من الأمراض الخبيثة الخطيرة التي تصيب اى تجمع بشرى ذلك أن التبعية للكبار وأصحاب المراكز ليست خاصية في التابعين فقط بل هي مطلب ضروري للكبار المتبوعين فكل كبير يحرص على وجود أتباع وحاشية يلتفون حوله ويكونون جماعته المفضلة وهم الأولى بالرعاية والعطايا وطبعا المناصب. 
أما علاقة المصري بالسياسة فهى قصة أخرى ذاك أنها تنطوي علي ازدواجية صارخة بين الرأي والسلوك ,,بين الفكر والفعل فهو كثير الانتقاد للدولة ونظامها الميرى ورغم ذلك فقوانينها تطاع بغض النظر عن خطئها أو صوابها  ليس ذلك لأنها شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي الضرورى أوالضبط الاجتماعي الذى يجب الالتزام به ولكن لأنها صادرة عن ( سلطة) قاهرة رادعة مرعبة
ورغم قناعة المصريون أن الحكومة تسير في طريق ومصالحهم في طريق آخر وأنه من الصعوبة بمكان أن يحصل المواطن علي حقوقه بسهولة من الدولة فلا يميل المصريون لفكرة الثورة بقدرما يميلوا إلي القدرية والتدين ومن ثم ينخفض معدل المشاركة السياسية الذي لا يرجع فقط إلي أن المشاركة القسرية غير واضحة الهدف وإنما الوعي بأن المشاركة عديمة الجدوي ولا فائدة من ورائها
هذه بعض الأراء التى انتهى إليها المفكر و الاكاديمى الكبير د/ محمود عودة عن المصريين من خلال إطلالة فاحصة على ما هو اجتماعى وما هو سياسى  فى حياتهم..وهى كدراسة هادية مرشدة تؤكد لنا ان الطريق الذهبى الى المستقبل هو(الانسان الرشيد)الذى ستأتى من بين أياديه ومن خلفه حكومة رشيدة ..التى ستدير دولاب الدولة إدارة رشيدة وهكذا تكتمل دائرة الرشد. 
الخير والشر من مكونات الحياة على وجه الأرض فلا يتصور احد ان هذا الطريق الذهبى ممهدا بالخيرات الصالحات بل هناك أهل الدنايا والاهواء والشهوات الرخيصة.. أو بإختصار(الكذابين) الذين يكذبون على الله ويكذبون على الناس وللدهشة الدهوشة ستجدهم اكثر الناس تحدثا عن الصدق والنزاهة والتجرد ..وارجعوا للقرآن فى معرفة واكتشاف هذه الكائنات العجيبة 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

الزيادات الجديدة في أسعار شرائح الكهرباء

  • مغرب

    07:00 م
  • فجر

    03:37

  • شروق

    05:13

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:46

  • مغرب

    19:00

  • عشاء

    20:30

من الى