• الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر09:52 ص
بحث متقدم

قضية التسامح الديني بين الشيخ الشعراوي والبابا شنودة

مقالات

أخبار متعلقة

منذ أن أعلن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عن إنشائه لما يسمى بأكشاك الفتوى في محطات مترو الأنفاق بالقاهرة ، والعلمانيون وأنصار ما يسمى بالدولة المدنية في غاية الضيق والتبرم بهذا الأمر ،رغم أن من أهم الأهداف المعلنة لإقامة تلك الأكشاك مكافحة ما يسمونه بالتطرف والإرهاب ، وهو هدف كان من المفترض أن يشجع أولئك القوم أيَّ خطوة تساعد على تحقيقه ، ولكن لأن أصحاب تلك التوجهات لديهم أصلاً مشكلة مع الدين -ومع الإسلام تحديدا – فإنا وجدنا غالبية تعليقاتهم تدور حول رفض تلك الفكرة والتهكم بها والدعوة لإلغائها ؛ لأنها كما صرح بعضهم تزيد من إقحام الدين في مناحي الحياة بدلاً مما ينادون به من فصل الدين عن الدولة . 
غير أن أسمج ما قرأته من اعتراضات حول هذا الأمر مقال كتبه أحدهم في جريدة المصري اليوم بتاريخ 27 / 7 / 2017م ، وقد نحا في رفضه للفكرة منحى عجيباً يؤكد ما ذكرناه من أنهم حين ينادون بمدنية الدولة وفصل الدين عن مناحي الحياة إنما يقصدون بذلك الدين الإسلامي فقط ،فهو وحده الذي يستحق دعاته الإقصاء والإبعاد ، وهو وحده الذي يَتجرأ على الحديث في شأنه كلُ من هب ودب ،حتى صار الإسلام  -كما قال الدكتور عبد المنعم النمر رحمه الله ذات مرة – ( هو الحيطة الواطية) التي لا يشاء أحد أن يعتليها إلا اعتلاها .
خلاصة ما ذكره صاحبنا أن هؤلاء الشيوخ الذين سيسألهم الناس في محطات المترو إذا سئلوا عن غير المسلمين :هل سيدخلون الجنة أم النار ؟ فلن يملكوا إجابة غير ما أجاب به الشيخ الشعراوي حين سُئل هذا السؤال عن بيتهوفن ، فأجاب أنه بالطبع سيدخل النار ، ولما سئل الشيخ بحسب ما نقله ذلك الكاتب : كيف سيدخل النار وهو الذي أسعد الملايين من البشر بموسيقاه، جاءت إجابة الشيخ بأن بيتهوفن سيأخذ نصيبه المستحق من السعادة فى الدنيا فقط، حيث إنه لم يهتد للإسلام . ولما قيل للشيخ : إن الرجل لم يكن يعرف لغة القرآن؟ أجاب : وهل أهل ماليزيا وباكستان أكبر شعوب الدنيا فى عدد المسلمين يعرفون العربية؟ الإسلام لغة القلب ولن يدخل الجنة إلا المسلمون . 
وفي مقابل هذه الإجابات من الشيخ الشعراوي -التي من الواضح أن الكاتب يراها قمة في التعصب وكراهية الآخرين - يشير الكاتب إلى إجابة البابا شنودة أثناء ندوة جماهيرية فى معرض الكتاب أوائل الألفية الثالثة ،حين سأله الدكتور سمير سرحان : هل الجنة للمسلمين أم المسيحيين أم اليهود؟ فقال أي الأنبا شنودة : الحياة الأبدية، (وهو التوصيف المسيحى للجنة كما يقول الكاتب ) يدخلها كل من يمتلك الإيمان السليم والأعمال الصالحة.
ويعلق الكاتب على هذه الإجابة بأنها لا يمكن أن تكون إجابة دبلوماسية لأن رجل الدين - في نظره -لا يمكن أن يُقدِّم إجابة دبلوماسية، فالبابا بحسب تعبير الكاتب ( قال قناعاته التى ترضى وجدانه الدينى، ومؤكد أيضاً أنها كلماته داخل جدران الكنيسة مع شعبه ). ثم يعود الكاتب مجدداً للحديث عن علماء الأزهر قائلا : ( لا أتصور أن شيوخنا تحت الأرض – يقصد في أكشاك مترو الأنفاق- أو فوقها لديهم القدرة على أن يعلنوا ذلك، ولا أتصور أن شيخنا الجليل أحمد الطيب يستطيع أيضا أن يقولها، قناعاتهم هى بالضبط قناعات الشعراوى ) .
وهكذا ينتهي الكاتب إلى نتيجة مفادها أن مشايخ المسلمين وعلماءهم من الشيخ الشعراوي إلى الشيخ أحمد الطيب كلهم على منهج التشدد والتعصب ،بينما رجال الدين النصراني ليس عندهم أدنى شبهة تعصب ، والدليل ما ذكره عن الأنبا شنودة من أنه لم يقصر الحياة الأبدية على المسيحيين ،وإنما وسعها لتشمل كل المؤمنين ، وبالتالي يدخل فيهم المسلمون وغيرهم .
وقبل أن أشرع في توضيح حقيقة موقف الإسلام من هذه المسألة ، أود أن أبين لهذا الكاتب وأمثاله أن الادعاء بأن الأنبا شنودة يرى أن غير المسيحيين يمكن أن يدخلوا الجنة ، هو ادعاء كاذب لا أساس له من الصحة ،بل الصحيح أن الأنبا شنودة يعتقد كغيره من النصارى -وبخاصة أتباع الكنيسة الأرثوذكسية - أن من لم يؤمن إيمانَهم لا يمكن أن ينال الحياة الأبدية ، وقد  كان جواب البابا شنودة –خلافاً لما زعمه الكاتب- في قمة الدبلوماسية ، وذلك لأنه لم يذكر كلمة الإيمان المسيحي ،فأوهم كلامه أنه يقصد أي إيمان حتى لو كان إيمان المسلمين أو اليهود أو غيرهم ، بينما التدقيق في تلك الإجابة الدبلوماسية يبين أنه حين اشترط الإيمان لدخول الحياة الأبدية كان حريصاً على أن يصف ذلك الإيمان بأنه الإيمان السليم ، وعليك أن تضع تحت كلمة السليم هذه عشرين خطاً ، لأنه بالتأكيد يقصد السليم من وجهة نظره هو ، ولا يمكن أن يكون إيمان المسلمين أو إيمان اليهود سليماً من وجهة نظره ، وهذا أمر بدهي لأن كل من يؤمن بدين يعتقد أن إيمان من خالفه ليس إيماناً سليماً .
والأنبا شنودة نفسه حينما سئل -كما في تسجيل صوتي موجود على اليوتيوب - عن شخص ارتد عن المسيحية ثم مات هل يجوز العزاء فيه والترحم عليه ؟ أجاب بما خلاصته أن العزاء فيه لا مانع منه ،وأما الترحم عليه ،أو تعزيتهم بأن تقول لهم : إن هذا الميت هو الآن في أحضان إبراهيم وإسحاق ويعقوب فهذا لا يسمح به ،وحينما سأله أحدهم عن كيفية توصيل هذا المعنى لأهل الميت وهم لا يزالون على الديانة المسيحية ،قال بالنص : ( قل لهم : قوانين الكنيسة ما تسمحش بالترحم عليه) ،ثم بين أنه لا بأس بالتعاطف مع أهل ذلك الميت ،ولكن طقوس الكنيسة لا تسمح بالصلاة عليه .
والذي قد لا يعلمه هذا الكاتب وأمثاله أن كل طائفة من الطوائف المسيحية تعتقد أن غيرها من الطوائف غير مؤمنة ،والمتابعون للشأن القبطي في مصر يذكرون أن الأنبا بيشوي سكرتير المجمع الأرثوذكسي في مصر قد أعلن في عام 2007 م أن الكاثوليك والبروتستانت لن يدخلوا ملكوت السماء، ولما أراد أن يضرب مثلاً بالشخص الذي يتوب في آخر حياته ويدخل الملكوت قال بحسب ما نشر في صحيفة المصري اليوم بتاريخ :  15/ 3 / 2007 : ( مثل شخص كاثوليكي في لحظات حياته الأخيرة يقول: يارب اقبل إيماني بالأرثوذكسية ،ولعنة الله علي قائد الكاثوليك ).
ولنتذكر كذلك ما حدث منذ شهور حين زار بابا الفاتيكان مصر حيث نُشِر أنه وقع مع الأنبا تاوضروس الثاني اتفاقاً يقضي بعدم إعادة تعميد الشخص في حال تحوله من الكنيسة  الأرثوذكسية إلى الكاثوليكية أو العكس ، فإنه ما إنْ غادر بابا الفاتيكان مصر حتى صدر بيان رسمي من الكنيسة الأرثوذكسية المصرية ( بتاريخ الثلاثين من أبريل 2107 م) ذكرت فيه أن البابا تواضروس الثاني، بطريرك الكنيسة، والبابا فرنسيس الأول بابا روما للكاثوليك، لم يوقعا أي اتفاقية حول عدم إعادة سر المعمودية بين المنتقلين بين الطائفتين.وأكدت الكنيسة في هذا البيان الرسمي أن ما تم التوقيع عليه هو بيان مشترك لعرض العلاقات بين الكنيستين فقط وليس اتفاقية.
ومعنى هذا الكلام بوضوح أن من أراد الانتقال من إحدى الكنيستين إلى الأخرى لا بد من إعادة تعميده من جديد ، فإذا علمنا أن التعميد هو شرط اعتبار الشخص مسيحياً فإن معنى إعادة تعميده أن الكنيسة التي هو منتقل إليها تعتبر أنه كان قبل تحوله إليها شخصاً غير مسيحي .
ولذلك فإن مما تأخذه الكنيسة الأرثوذكسية المصرية على الكاثوليك أنهم يتساهلون بعض الشيء في امكانية نيل الخلاص لمن لا يدينون بالمسيحية ،وقد نشر أحد المواقع المعبرة عن إيمان الكنيسة المصرية مقالاً بعنوان : أخطاء طائفة الكاثوليك الذين نشأوا بعد الانشقاق في القرن الخامس الميلادي ، ومما جاء في ذلك المقال أن من أخطاء الكاثوليك أنهم قرروا في المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965 أن مَنْ لم يؤمن ولم يعمد من كافة البشر ربما يناله الخلاص إن كان من ذوى النية الحسنة ، حيث رد صاحب المقال على ذلك بقوله : ( كنيستنا الأرثوذكسية لا تؤمن بخلاص غير المؤمنين بهذه الطريقة لأن ذلك يعتبر ضربة شيطانية موجهة إلى الإيمان المسيحي وإلى السعي والاهتمام بالكرازة بموت المسيح وقيامته. كما أن هذه الطريقة مخالفة لوصية المسيح في قولة : " اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن : (مرقس 15:16، 16) . [ يمكن الرجوع لنص المقال على هذا الرابط : http://st-takla.org/FAQ-Questions-VS-Answers/03-Questions-Related-to-Theology-and-Dogma__Al-Lahoot-Wal-3akeeda/045-Difference-between-Orthodox-and-Catholic.html] 
فهل علمت يا هذا حقيقة رأي القوم فيمن خالف معتقدهم ، وأنه لا يختلف كثيراً عما نقلته عن الشيخ متولي الشعراوي ،وقلت إنه معتقد شيوخ الأزهر كلهم ؟  
 أما بخصوص ما نقل عن الشيخ الشعراوي رحمه الله فإنه مما يجب أن يعلم أننا لا يمكن أن نجامل على حساب عقيدتنا وديننا ، وإذا كان غيرنا لم يخجل كما رأينا في السطور السابقة من أن يعلن رأيه ومعتقده ،فإننا أيضاً لا نستحيي من أن نبين أننا نعتقد أن الدين الحق هو ما جاء به محمد النبي الأمين خاتم رسل الله أجمعين ، وأن الله تعالى لا يقبل من أحد دين سواه ، وأن من مات على غير هذا الدين الحق فإن مصيره النار ولا شك ، وهذا الأمر هو جزء من إيماننا وعقيدتنا التي لا يمكن لتهويلات مثل هذا الكاتب وأمثاله أن تصرفنا عنها ، وليس ذلك من بنات أفكار الشيخ الشعراوي أو غيره بل هو كلام رب العالمين في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كما قال تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ، وقال تعالى : ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ) .
وهذا من حيث الحكم العام وأما من حيث الحكم على الأشخاص فإننا لا نحكم على شخص معين بأنه في الجنة أو في النار إلا مَنْ جاء بخصوصه نص شرعي أنه في النار كفرعون وإبليس وأبي لهب ،أو من جاء نص بأنه من أهل الجنة كالذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ، أما من عداهم فإننا نؤمن إيمانا مجملاً بأن من مات على التوحيد مصيره الجنة وإن عوقب على ذنوبه قبل ذلك ، وأن من مات على غير التوحيد مصيره النار ،ولكن لا نملك أن نقول عن شخص معين -غير من جاء به النص - إنه من أهل الجنة أو من أهل النار ،لأنا لا نعلم كيف كانت أو تكون خاتمته ، فلذلك نترك ذلك لعلم الله عز وجل . وعلى هذا فالذي يترجح لدينا أن الشيخ الشعراوي رحمه الله إنما قصد أن يبين هذا المعنى العام وهو أن من مات على غير التوحيد فهو من أهل النار ،وأن ذِكْر بيتهوفن أو غيره إنما جاء مثالاً لمن ينطبق عليه ذلك الحكم ،أي في حالة موته على ما هو عليه من مخالفة دين الإسلام .
وأخيراً : فإننا كنا نفضل أن يكون مجال تقرير هذه الأحكام التي تتعلق بمن هم على غير ملتنا هو دروس العلم والكتب العلمية المتخصصة ،لا أن يعرض ذلك في الصحف السيارة والمواقع العامة التي يقرؤها العالِم والجاهل والمسلم وغير المسلم ، وذلك نظراً لحساسية هذه الأمور وما قد تسببه من فتن ومشكلات ، ولكن ما حيلتنا ونحن نجد كل يوم أمثال تلك الكتابات والأقوال التي لا هم لها إلا الطعن في ثوابت ديننا ، وإثارة مثل هذه الأمور التي أقل ما يقال فيها إنه لا يبنى عليها عمل ولا تستفيد الأمة من ورائها إلا مزيداً من الفرقة والتشرزم ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .

عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين 


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • ظهر

    11:44 ص
  • فجر

    04:46

  • شروق

    06:09

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:54

  • مغرب

    17:18

  • عشاء

    18:48

من الى