• السبت 21 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر12:32 م
بحث متقدم

إلى "المجددين" من الإخوان.. استقيلوا يرحمكم الله

مقالات

أخبار متعلقة

أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 ووضع لها منهاجها واستراتيجية عملها وخطة سيرها، ثم قاد مسيرتها عشرين عاما، تماما كما يصنع المخترع آلته ويجربها، فما لبثت تلك الآلة أن انفجرت في وجه مخترعها، ودخلت الجماعة في أتون صراع أدرك معه مؤسسها أن هناك خللا ما أدى إلى هذه النتيجة، فصارح قبيل رحيله اثنين من قيادات الجماعة في ذلك الوقت هما عبد العزيز كامل ومحمد الغزالي - بحسب ما ورد في مذكراتهما - قائلا: "لو استقبلت من أيامي ما استدبرت لعدت بالجماعة إلى عهد المأثورات". ولعل البنا قد أدرك بما له من ملكات الصانع أن الخلل ليس جزئيا يسهل علاجه، ولكنه تأسيسي يحتاج إلى دراسة وجهد ووقت، ولكن القدر لم يمهله وتم اغتياله في فبراير عام 1949 قبل أن يعيد صناعة تلك الآلة التي انفجرت في وجه صاحبها.
لم يزل محمد الغزالي يتذكر تلك الكلمة الأخيرة التي سمعها من البنا قبيل الرحيل، واستصحبها معه في معتقل الطور الذي سيق إليه الإخوان؛ يقول في مذكراته: "وقد أحزنني وأنا في الطور أن الإخوان عموما يرفضون أي اتهام لسياستهم، وقد قلت: إنه بعد هزيمة أحد وقع اللوم على البعض من الصحابة فلماذا لا نفتش في مسالكنا الخاصة والعامة فقد يكون بها ما يستدعي التغيير وما يفرض تعديل الخطة، لكن هذا التفكير لم يلق ترحيبا".
لقد ظن عموم الإخوان أنه لا خلل ولا عيب في جماعتهم، وربما ألقوا اللوم على مؤامرة عالمية نسجت خيوطها من أجل عرقلة مسيرتهم، ولم يفطنوا إلى ما فطن إليه مرشدهم الأول وحسبوا أن البناء مكتمل وأنه ليس عليهم إلا تجميله وبناء مزيد من الطوابق فوق أساسه الذي ظنوه متينا.
لقد جمع حسن البنا وهو يبني جماعته ألوفا من العمال المخلصين لهذا البناء، ولكنه لم يهتم بأن يضم إليهم أعدادا من المهندسين الذين يدركون علم البناء وكيفية مراقبة تطوره واكتشاف عيوب أساسه، فلما رحل عن دنيا الناس انطلق هؤلاء العمال ليكملوا ما رسمه المهندس المؤسس باعتباره صحيحا ومكتملا، وكلما ناداهم منادٍ أن أعيدوا النظر في التصميم المبدئي صموا آذانهم كما فعلوا مع الغزالي من قبل، أو اتهموا نواياه كما عبر مرشدهم الخامس مصطفى مشهور في كتابه "بين القيادة والجندية" وهو يتحدث عما ينبغي أن يقتنع به الإخوان عندما تنزل بهم نازلة: "ولا يتطرق لأحد يأس بسبب شدة المحن أو طول أحداثها، كما لا يتصور أنها نتيجة لأخطاء أو تقصير من القيادة كما يحاول المشككون تصويرها".
ليس غريبا إذن أن تتوالى النكبات على جماعة تفكر بهذه الطريقة، وليس غريبا أن تضيق ذرعا بواحد مثل محمد الغزالي فتفصله وآخرين من عضويتها في أواخر عام 1953 بعد أن رفضوا قرارا من المرشد الثاني للإخوان حسن الهضيبي بفصل مجموعة من قياداتها دون أن يقدم حيثيات ذلك الفصل للهيئة التأسيسية للجماعة التي كان الغزالي ورفاقه المفصولون أعضاء بها. وليس غريبا كذلك أن تعين المجموعة التي أعادت تأسيس الإخوان بعد خروجها من السجون في منتصف السبعينيات؛ عمر التلمساني مرشدا عاما للإخوان دون انتخابات وهو القائل في كتابه "ذكريات لا مذكرات" واصفا علاقته بمؤسس الجماعة حسن البنا: "وكما يحدث في كل جماعة أو حزب أو تجمع، فقد كان لبعض الإخوان آراء ومقترحات تتعارض مع فريق آخر، ولكني بحمد الله كنت بعيدا عن هذه الخلافات كلها، وكنت أرى وأسمع وأفكر بعين فضيلته وأذنه وعقله لثقتي المطلقة في صواب كل ما يرى، وقد يكون في هذا الشيء من الخطأ أو إلغاء الشخصية عند بعض الناس، ولكني كنت كالميت بين يدي مغسله، وكنت سعيدا بهذا كل سعادة، وتلك من مميزات جماعة الإخوان المسلمين الطاعة المطلقة لمرشدهم في غير معصية".
في كتابه "المجاهد الثائر" يروي المفكر الإخواني العراقي محمد أحمد الراشد شهادته حول محاولة محمد فريد عبد الخالق عضو مكتب إرشاد الجماعة تقديم بعض الأطروحات التجديدية حول التكوين الفكري لكوادر الإخوان بالتزامن مع دخولها معترك السياسة عام 1984 وكيف فشلت محاولاته في إقناع زملائه بضرورة هذا التجديد مرة بعد مرة رغم تأييد التلمساني له، إلى الدرجة التي خيّرته معها المجموعة المتحكمة بين البقاء راضيا بالوضع القائم أو الخروج مستقيلا؛ فاختار فريد عبد الخالق الاستقالة على الفور.
ينقسم الإخوان حيال التجديد إلى ثلاثة أقسام: قسم يرفضه رفضا كليا زاعما أنه ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن، وقسم ثان يتعاطى إيجابا مع التجديد الجزئي في الممارسات والسياسات والإجراءات، وقسم ثالث تمتد آفاق تجديده إلى الفكرة التأسيسية التي نشأت بها الجماعة وإلى النظرية التي وضعها حسن البنا. ومَثَل الأقسام الثلاثة كمثل قوم استقلوا سيارة انطلقت بقوة من قلب القاهرة لتتجه إلى الإسكندرية، وبعد طول سير تعطلت بهم سيارتهم فأخذوا يتلاومون؛ فريق يلقي بالتبعة على حرارة الجو ووعورة الطريق، وفريق ثان أدرك أن عطبا ما أصاب السيارة وضعفا انتاب سائقها، بينما فريق ثالث اتفق مع الثاني وزاد عليه انتباهه إلى أن السيارة أخطأت طريقها واتجهت جنوبا إلى أسوان.
لا معنى للتجديد داخل الإخوان إلا بالنظر في منطلقاتها الفكرية التأسيسية، وأنصار هذه القناعة قلة في جماعة دأبت على التضييق حتى على دعاة التجديدات الجزئية، واستمرارهم داخلها نوع من تضييع الجهد والوقت فيما لا طائل، فليسوا كتلة حرجة يمكنها التغيير من الداخل، وأولى بهم أن يبادروا إلى مغادرة هذه الجماعة المأزومة فكريا ليؤسسوا لفكرهم التجديدي في مناخ حر.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • عصر

    02:56 م
  • فجر

    04:44

  • شروق

    06:07

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:56

  • مغرب

    17:21

  • عشاء

    18:51

من الى