• الثلاثاء 24 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر12:49 ص
بحث متقدم

مهابة الموت!

مساحة حرة

كاتب
كاتب

فاطمة الزهراء علاء

أخبار متعلقة

الموت هو الحقيقة الأزلية الوحيدة التي لا يختلف عليها أحد من الخلائق. وله من المهابة ما يجعل الحيوانات تصمت قرب جيف أخواتها، لكن مع البشر يختلف الأمر كثيرًا!!
تنساب الذكريات في سلاسة واضحة، إلا أن كلمة الموت تترجل من ركب الكلمات والذكريات على السواء، مفسحة المجال لشرود قد يطول وغصة في الحلق أوحشجرة. وليس من العجب أن يكون الأمر كذلك، فثمة تفاصيل أدق من أن تُحكى أو تقال، هي تفاصيل تستمد قداستها من قداسة الموت ذاته، والكل أمام الموت سواء!
وغالبًا ما تُذكر سيئات الميت يوم وفاته أو بعدها بقليل ممن هم ليسوا بالقرب الكافي الذي يجعلهم يُغلّبون كفة محاسنه، ثم يُتدارك الموقف بابتسامة و"اذكروا محاسن موتاكم"!! لم يُنظر للميت يومًا باعتباره بشرٌ يصيب ويخطئ ولا بد أن تكون له مساوئ وعيوب، غير أنهم يتخذنوها فرصة لحسابه قبل أن يُحاسب، وكأنهم يذكرون الله بها تعالى عن ذلك!! بالتأكيد لم يخطر في بالهم مثل هذا الخاطر من قبل!!
ولكن يظل ذلك الذي ألجمته كلمة الموت بقداستها وهيبتها متقوقعًا على ذاته، يجتر ذكرياته مع الفقيد ويشعر بالغصة ذاتها آلاف المرات التي تراكم من المرارة ما يفوق قدرته على الاحتمال، لكن سمفونية الموت لا ترحم، ويتوالى الفقد!! فتصبر وتتصبّر، وتستعيد بعضًا من جأشك، لكنك أبدًا لا تنسى!
من قال إن الأيام كفيلة بذلك.؟! من قال إن الأحياء أبقى من الأموات ومن الأجدر أن تفكر فيهم.؟! من قال إن البعيد عن العين بعيد عن القلب.؟! ومن قال إن كل ميت يعد رقمًا فقط في عداد الأموات.؟!
ربما تظن كلامي اعتراضًا على قدر محتوم لا بد من وقوعه، ولكن من أخبرك بأنني أعترض.؟! ربما أفسح المجال لتلك الغصة في حلقي أن تنفذ إلى بعض قلوبكم، علَّها تلين قليلًا فتقلُّ الكلمات من قبيل: (الحياة لا تقف على أحد أو عند أحد، هل حزنك سيغير الأقدار، توقف، لا تتحدث عن والدك أو والدتك أمامه لأنه فقد أحدهما أو كلاهما)!! هي كلمات عددتها أنت مواسة وسلوى لقلوب لا يعلم حالها إلا الله وحده، لكن هذه القلوب طالما نفرت منها وإن أجابتك بهدوء وبرود: (لقد اعتدت الأمر)، نعم لقد اعتادت هذه القلوب الأمر، لكنها اعتادت أمرًا مغايرًا تمامًا! اعتادت أن تبتلع الغصة التي تلهب حلقها، واعتادت أن تشرد مع كل الموتى الذين شاركوها الحياة دون أن تلحظ شرودها، اعتادت أن تذكرهم بدعوات خافتة مخافة أن تسمعها أنت، اعتادت أن تردد في سجودها مرارًا بكل إخلاص: "اللهم اجمعني بهم مرة واحدة في أحلامي"، اعتادت أن تكرر على مسامع الكل: (لم أعد أذكر من ملامحهم شيئًا)، وتخبئ صورهم في ركن حصين من ذاكرتها تتلجأ إليه في ظلام اليل!!
ربما تسألني في امتعاض خفيّ: (ولم تحدثنا عن الموتى.؟ أتظن أنك الوحيد الذي جربت مرارة الفقد وتوالي الأموات.؟ وهل ستغير نواميس الكون وستتحكم بحركاتنا وكلماتنا.؟! أتريدنا ألا نواسيك.؟! لا بأس، فهذا أسهل كثيرًا من تحمل مشقة مواساتك.؟!)، وربما تخبرهم بصوت خفيض: (هو إنسان معقد، فلا تعبئوا به!).
أخبرك صدقًا .. لقد آن لي أن أتحدث الآن بلسان طفل شهد الموت وهاب أن يصدق، وخاف أن ينزع الغطاء عن وجه الفقيد فيباغته الموت بدلًا عن من يحب، هاب المشهد برمته وصرخ: "لم يمت .. لم يمت"! آن لي أن أتحدث بلسان من تلقى الصدمة فألجمته إلى الأبد. آن لي أن أتحدث بلساني! نعم، بلسان من رفع الغطاء ويداه مرتعشتان، وقبّل جبين من يحب، ومنع نفسه عنوة دون التشبث بجثته والبكاء، منع نفسه من ضمة أخيرة كان يتمناها! أحدثك بلسان من يتلقى العزاء ويحتاج للمعزين فعلًا، لكن دون الكلمات الممطوطة ذاتها! 
لا أحد سينسى، ولا أحد سيوقف حياته لفقد أحد، لكن أحدًا سيستشير فقيده قبل أن يُقدم على أي خطوة كما تمنى أن يفعل! آن للقلم أن ينخفض، وللذكريات أن تنساب، وللغصة أن تترك مرارتها المعهودة!
فليرحمك الله يا جدي!

فاطمة الزهراء علاء
طالبة بكلية الإعلام، جامعة القاهرة

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • فجر

    04:46 ص
  • فجر

    04:46

  • شروق

    06:09

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:54

  • مغرب

    17:18

  • عشاء

    18:48

من الى