• الأحد 22 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر06:49 ص
بحث متقدم

كالدبة التي قتلت صاحبها

مقالات

أخبار متعلقة

من فوق منصة اعتصام رابعة قبل أربع سنوات وقف مرشد الإخوان محمد بديع متحدثا إلى الجماهير الرافضة للإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في 3 يوليو 2013، وكان مما قاله في كلمته: "ثورتنا سلمية وستظل سلمية.. سلميتنا أقوى من الرصاص". الكلمات تبدو براقة من ناحية الصياغة والبلاغة، ولكنها لا تبدو كذلك من ناحية الواقع والسياسة؛ فالثورة فعل تقوم به الجماهير ضد الحاكم بهدف إزاحته من فوق سدة الحكم، وهذه الجماهير التي يتحدث إليها بديع تناصر رئيسا خرجت ضده جماهير أخرى تطالب بعزله وإجراء انتخابات مبكرة، لا سيما وأن مرسي كان قد صرح أثناء الدعاية لانتخابات الرئاسة، في لقاء له مع الإعلامي خيري رمضان، بأنه إذا أصبح الرئيس فسوف يكون أول من ينزل على إرادة الجماهير إذا احتشدت في الميادين تطالبه بالرحيل، وهو ما لم يفعله مرسي وتشبث بحقه في إكمال مدته إلى نهايتها دون أن يستطيع إقناع المعارضين برأيه أو إلزامهم به مستخدما مساندة مؤسسات الدولة، ولم يسرع في الوقت ذاته إلى إجراء انتخابات مبكرة كخطوة داخل الإطار الديمقراطي كان من شأنها أن تجنب البلاد المصير الذي آلت إليه. لقد كنا في يونيو ويوليو 2013 أمام حالة من الانسداد السياسي لم تحسن أطراف عديدة - ومنها مرسي والإخوان - التعامل معها، ولم نكن أمام ثورة نبحث هل تكون سلمية أم غير سلمية.

في بيانها الذي أصدرته في 31 مارس 2012 أعلنت جماعة الإخوان المسلمين تقدمها بمرشح لانتخابات الرئاسة بعد أن كانت قد أعلنت في 10 فبراير 2011 نيتها عدم المنافسة على المنصب، ومن حيثيات تغيير قرارها كما وضحه البيان أن الثورة تتعرض لمؤامرة، ومن مظاهر هذه المؤامرة عدم تمكين القوى الحاصلة على أغلبية البرلمان من تشكيل الحكومة وعدم تعاون الجهاز الإداري للدولة مع هذه الأغلبية وعدم تعاون القوى السياسية الأخرى مع هذه الأغلبية؛ ومن ثم قرر الإخوان -أصحاب النصيب الأوفر في هذه الأغلبية - الاضطلاع بدورهم في حماية الثورة والتقدم بمرشح في انتخابات الرئاسة. هذا التماهي بين الإخوان والثورة وشعور الإخوان الدائم بأنهم هم حامي الثورة دون غيرهم يفسر تعبير بديع"ثورتنا" بإضافة الثورة إليهم، كما يفسر اعتبار الإخوان خطوة الإطاحة بمرسي هزيمة للثورة ذاتها وليس مجرد انسداد سياسي كان ينبغي التعامل معه بطريقة مغايرة.

الأمر له جذور أبعد من ذلك؛ فقد كان مؤسس الإخوان حسن البنا يعلن في كثير من كتاباته ضرورة حل كل الأحزاب السياسية؛ لأنها في تقديره تنشغل بالتنافس فيما بينها عن العمل لتحرير مصر من المحتل البريطاني، أما جماعة الإخوان فينبغي أن تبقى لأنها ليست حزبا سياسيا، بل هي الإطار الجامع للجهود الرامية لعودة مجد الأمة الإسلامية. وقد طبق الإخوان هذا الرأي فلم يعترضوا على حل الأحزاب السياسية في أعقاب حركة 23 يوليو 1952. صحيح أن الإخوان وبعد عودتهم من سجون الحقبة الناصرية منتصف السبعينيات صاروا يعلنون تأييدهم لتعدد الأحزاب، ولكنهم ما يزالون يتدارسون في محاضنهم التنظيمية كلمات البنا التي ما زالت تشكل العقل الإخواني دون غيرها، وهو ما يجعل العنصر الإخواني مهيأ دائما لاعتبار القوى السياسية متآمرة أو لا تعمل لصالح الوطن على أقل تقدير وأن جماعته وحدها هي المعول عليها في نصرة الوطن والأمة، وهو ما يفسر اعتبار الإخوان تقدمهم للرئاسة إنقاذا للثورة واعتبار الإطاحة بهم هزيمة لها تستوجب إعادة إنقاذها.

النصف الثاني من عبارة بديع "سلميتنا أقوى من الرصاص" يبدو كذلك شعارا رنانا ولكنه في الحقيقة ليس كذلك من الناحية العملية؛ فليس هناك سلمية أقوى من الرصاص، فالسلمية إذا واجهت الرصاص فإنها تصبح أمام خيارين؛ الخيار الأول: أن تحتفظ بحالتها هذه إلى النهاية وهذا يعني أن يحصدها الرصاص حتى يبيدها؛ فالسلاح يشبه البوابات الإلكترونية التي تنفتح بمجرد وقوف أي جسم على مسافة معينة منها بصرف النظر عن كونه جسم إنسان أو حيوان أو جماد، السلاح تنفتح نيرانه بمجرد ظهور أجسام المناوئين أمامه سواء حملوا سلاحا أم لم يحملوا، خاصة في حالات الاضطراب والتوتر السياسي. ليس هذا تبريرا لعمليات القتل على الإطلاق ولكنه توضيح للواقع الذي لا يملك الفاعل السياسي إلا أن يتعامل معه كما هو وأن يبني قراره بناء عليه وليس بناء على أوهام لا سند لها.

والخيار الثاني: أن ترفض هذه السلمية أن تباد بلا ثمن فتتحول تدريجيا إلى العنف الذي قد يتصاعد إلى حد الوصول إلى الحرب الأهلية. وقد انقسم الإخوان بالفعل إلى فريقين؛ يرى أحدهما ضرورة الاستمرار بسلمية، ويرى الآخر وجوب التحول إلى العنف.

خيار السلمية الذي أعلنه مرشد الإخوان محمد بديع كان يستلزم الإسراع بقبول الحلول السياسية التي تمنع المواجهة، ولكنه فهم السلمية على نحو مختلف؛ فهم أنها المواجهة بغير سلاح، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى وجود العنف على أرض الواقع. لم يكن بديع يتصور أن تئول الأمور إلى هذه النتائج، لم يكن يتصور أن السلمية سوف تقود إلى العنف، كما لم يكن يتصور أن محاولة الإخوان إنقاذ الثورة عن طريق الترشح للرئاسة سوف يقود إلى ضياع مكتسباتها، وكما لم يكن يتصور مرسي أن رفضه إجراء انتخابات مبكرة خشية الفوضى هو ذاته الذي سوف يقود إلى هذه الفوضى. هكذا عودتنا جماعة الإخوان؛ عودتنا ألا تحسن التصور وأن تنطلق بكل قوتها إلى المكروه وهي تتوهم أنها إلى النجاح ساعية، تماما كالدبة التي قتلت صاحبها.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • ظهر

    11:44 ص
  • فجر

    04:44

  • شروق

    06:08

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:55

  • مغرب

    17:20

  • عشاء

    18:50

من الى