• السبت 25 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر11:28 ص
بحث متقدم

في وداع رفعت السعيد

مقالات

أخبار متعلقة

غيب الموت أمس الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع السابق وأحد أهم رموز اليسار المصري وأحد مؤسسي أهم أحزابه الشيوعية والمؤرخ المعروف ، وذلك عن عمر يناهز الخامسة والثمانين عاما ، لتطوى صفحة مريرة من الخصومة الفكرية والسياسية بينه وبين التيار الإسلامي أو ما كان يسميه دائما "الإسلاموي" ، بكل أطيافه الفكرية والسياسية من السلفيين إلى جماعة الإخوان إلى المفكرين الإسلاميين مثل الدكتور محمد عمارة أو سليم العوا أو طارق البشري أو عبد الوهاب المسيري ، مرورا بالمؤسسات الدينية مثل الأزهر ودار الإفتاء ، وهي معارك استنفذت منه معظم عمره في الهدر واللاقيمة خاصة في ربع القرن الأخير .
عرف عن السعيد شدته في الخصومة ومرارته فيها وتعمده استخدام أسلوب المكايدة واستفزاز الخصم وأخذ الحوار إلى مستويات من العنف التي تضعف القيمة العلمية منه ، وتحوله إلى مجرد تراشق بالكلام والاتهامات والمكايدات وتصفية الحسابات ، والحقيقة أن هذا المنحى تسبب في حرمان اليسار المصري من القدرة على تطوير أفكاره وتجديد خطابه السياسي والأيديولوجي حيث استهلك وقته وطاقته في معارك وشجارات عبثية مع الآخرين أكثر من اهتمامه ببناء أفكاره وتطوير خطابه ، رغم أن اليسار في أكثر من منطقة بالعالم ، وخاصة اليسار الأوربي نجح في تطوير خطابه السياسي والأيديولوجي الذي وضعه في النهاية على رأس حكومات عديدة ، أو شريكا في حكومات ، أو قائدا للمعارضة الرئيسية في البلاد ، بينما ظل اليسار المصري ـ على عمقه التاريخي ـ متكلسا فكريا وتائها سياسيا ومتماهيا مع الاستبداد ومحرضا على القمع ، ويتخذ أحيانا مواقف تضعه على يمين السلطة رغم أنه "اليسار" ، وأذكر أن حوارا تليفزيونيا صاخبا جرى بين رفعت السعيد والكاتب الناصري المعروف الدكتور عبد الحليم قنديل في عصر مبارك ، قال فيه قنديل لمحاوره أنه تحول باليسار إلى أن يكون "الذراع السياسي للأمن المركزي" .
في نهاية التسعينات الماضية ، وقعت معركة فكرية تحولت إلى قضائية حامية الوطيس بيني وبين الدكتور رفعت السعيد ، الأمين العام لحزب التجمع وقتها ، وكنت قد كتبت في صحيفة الشعب ـ لسان حزب العمل ـ سلسلة مقالات توثيقية في تاريخه السياسي والفكري وتناقضاته وأخطائه التاريخية الفادحة التي تصل إلى حد التزوير ، جمعتها بعد ذلك في كتاب نشر بعنوان "محنة الماركسية في بلادنا" ، أصبح مرجعا لكل من يريد أن يعرف تاريخ الرجل وتناقضاته الفكرية والسياسية ، وكانت المقالات قاسية ومؤلمة للغاية وكان لها صدى كبير وقتها ، حاول رفعت أن يوقفها واتصل بالمرحوم عادل حسين ، الأمين العام لحزب العمل ورئيس تحرير الشعب يومها ، وهدد بأنه سيقاضيني ويقاضي الصحيفة إن لم أتوقف عن سلسلة مقالاتي ونقل إلي عادل حسين التهديد وقال أن الأمر لك ، فلم أتوقف ، وأذكر لعادل حسين رحمه الله أنه لم يضغط علي بأي صورة لوقف المقالات ، وترك لي الحرية في استكمالها ، وفي النهاية ذهب رفعت إلى المحكمة ورفع جنحة مباشرة ضدي وطالب فيها بحبسي سنتين وغرامة مائة ألف جنيه ، وقد نشرت نص مذكرته القانونية المقدمة للمحكمة ضمن وثائق كتابي المشار إليه ، وكان اليساريون قبل هذه الواقعة هم الذين يتهمون الآخرين بأنهم يجرجرون المثقفين إلى المحاكم بدلا من الرد على الفكر بالفكر وعلى الرأي بالرأي ، ولذلك كانت القضية محرجة أخلاقيا لرفعت ، والطريف أن محامي رفعت في تلك القضية كان الأستاذ محمد الدماطي محامي جماعة الإخوان والرئيس الأسبق محمد مرسي حاليا ، كما كان المحامي الذي تطوع للدفاع عني هو أستاذنا الدكتور محمد سليم العوا ، وبعد جلستين في المحاكمة شعر السعيد بأنها تحولت إلى فضيحة ، فتحدث مع الصديق منتصر الزيات المحامي ومع الأستاذ عادل عيد المحامي رحمه الله ، عارضا التوسط للتصالح وسحب القضية ، وكتب مقالا في الصفحة الأخيرة من صحيفة الأهالي يتودد فيه معي بكلام لطيف على غير عادته ويمهد للمصالحة تحت عنوان "حكايتي معه" ، واستشرت بعض الأفاضل وقتها فقالوا لي : استشر يحيى بيه الرفاعي ، شيخ القضاة ورمز شموخهم التاريخي ، ذهبت إليه في مكتبه في عمارة الإيموبيليا ، فقال لي : يا ابني القضية لا تستحق فإن كان جادا في عرضه فاقبل التصالح ، وقد كان .
تختلف أو تتفق معه ، إلا أن رفعت السعيد كان علامة على مرحلة صاخبة ومتقلبة من تاريخ مصر السياسي ، وأنه كان رمزا لليسار المصري في أكثر من دور ومرحلة ، لا يمكن تجاهل حضوره فيها ، كما كان واحدا من أهم مؤرخي تاريخ اليسار ، وقد تقلبت به الأيام بين نعيم السلطة ونارها ، بين أحضان الحكومة وأشواكها ، بين حفلات القصور الرئاسية وزنازين المعتقلات ، وقد أفضى الآن إلى ما قدم ، وأصبح بين يدي الله الحكم العدل ، يرحمه الله .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع استمرار شريف إسماعيل في رئاسة الوزراء بعد عودته من المانيا؟

  • ظهر

    11:47 ص
  • فجر

    05:08

  • شروق

    06:36

  • ظهر

    11:47

  • عصر

    14:38

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى