• الإثنين 25 سبتمبر 2017
  • بتوقيت مصر06:56 م
بحث متقدم

الرد الحازم على ظاهرة زنى المحارم (1)

وجهة نظر

أحمد السيد على إبراهيم
أحمد السيد على إبراهيم

المستشار / أحمد السيد على إبراهيم

أخبار متعلقة

الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى ، وعلى آله الطيبين الشرفا ، وبعد ...
فإن الناظر الآن إلى أحوال كثير من الناس يجد بعدا عن شرع الله تعالى ، وإنغماسا فى الشهوات والملذات ، وإنتهاكا للحرمات ، حتى زلت أقدام البعض ووقعوا فى فاحشة الزنا التى حرمها الله تعالى بقوله { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ? إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا } ( الإسراء : 32 ) ، ولم يسلم آخرون من الوقوع فى هاوية زنا المحارم التى شدد الله حرمتها بقوله تعالى : { وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا } ( النساء : 22 ) ، و لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عمن وقع على محارمه ، حتى غدا الأمر ظاهرة مقلقة تنذر بكارثة على الأمة بأسرها إن لم يتدارك الناس أنفسهم بالتوبة والرجوع إلى الله ، ويضرب المسؤولون على أيدى هؤلاء ، ولبيان حقيقة هذه الكبيرة ، وحكم مرتكبها ، والأسباب المؤدية إليها وطرق مواجهتها نذكر الوقفات الآتية :
الوقفة الأولى : سبب الكتابة فى الوضوع :
هو أن هذه الظاهرة عمت وطمت ، حتى وصل الحال ببعض من وقع فيها إلى أن تبجح أمام جهات التحقيق بأنها حرية شخصية ، وأنها تتم بالتراضى ، ولا تسبب ضررا لأحد ، ومما يؤيد أنها أصبحت ظاهرة الدراسة التى قام بها الدكتور أحمد المجدوب أستاذ علم الإجتماع بالمركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية ، فقد أصدر – رحمه الله -  فى عام 2003 ، كتابه الرائد " زنا المحارم .. الشيطان في بيوتنا " الذي عرض فيه لتاريخية هذه الجريمة في الحضارات القديمة ، وكيف أن كل الأديان السماوية حرمتها . وفنّد خلو القوانين الوضعية العربية من الأحكام الرادعة التي تطبق على مرتكب هذه الجريمة البشعة.
وكانت المفاجأة المدوية التي أطلقها المجدوب في كتابه عرضه لنتائج أول دراسة علمية حول جريمة زنا المحارم في مصر، مطبقة على 200 حالة ممن وقعوا في هذه الجريمة ، متخطيًا بذلك الصعوبات البالغة التي تعترض طريق أي باحث موضوعي ، يتصدى لهذه النوعية من المشكلات الاجتماعية التي تحاط بسياج كبير من الصمت والسرية في بلداننا العربية .
وجاءت نتائج الدراسة محددة لملامح الشخصيات التي ترتكب هذه الجريمة ، وهي أن غالبية الضحايا من الإناث من المتزوجات ، أو من الأرامل والمطلقات ، في حين أن الجناة الذكور غالبيتهم من غير المتزوجين . وأشارت الدراسة إلى أن مرتكبي زنا المحارم يعيشون في مساكن ضيقة ، تعوق خصوصية الأفراد داخلها ، كما أنهم من ذوي التعليم المنخفض ، ويميلون لعدم التدين .
إجتهد المجدوب حتى يتمكن من تحديد ملامح هذه الظاهرة في مصر ، فقد إجتهد حتى حصل على عينة عشوائية من الجرائم التي تم الإبلاغ عنها على مدى خمس سنوات ، وأضاف عليها عددًا من الجرائم التي لم يتم الإبلاغ عنها ، لكنه علم بوقوعها من الضحايا النساء أنفسهن ، وأيضًا من الضحايا الذكور الذين اتصلوا به عن طريق وسطاء ، في سعيهم لإيجاد حل لما يعانونه بسبب العلاقة الآثمة ، فوصل عدد الحالات إلى 200 حالة شملت كل حالات أشكال العلاقة سواء بين الأب وابنته ، أو الأم وابنها ... إلخ .
وبدأ المجدوب ببيان النسبة المئوية في كل نمط من الأنماط الثمانية عشر كالتالي : بلغت نسبة نمط القرابة ( أخ – أخته ) 25% ، يليه نمط ( الأب – البنت ) بنسبة 12% ، فنمط ( زوج الأم - ابنة الزوجة ) بنسبة 9% ، ثم نمط ( الإبن - زوجة الأب ) بنسبة 6% ، ومثله نمط ( زوج الأخت - أخت الزوجة ) .
أما نمط ( إبن الأخت – خالته ) فقد بلغت نسبته 5% ، تليه نمط ( الأم – الابن ) ، ونمط ( إبن الأخ – العمة ) و( الخال - إبنة الأخت ) ، و( الأب - زوجة الإبن ) إنخفضت لنسبة 4% ، وإنخفضت لنسبة 3% لنمطي ( العم - ابنة الأخ ) ، و( إبن الأخت - زوجة الخال ). فيما وصلت أنماط ( إبن الأخ - زوجة العم ) و( الأخ - زوجة أخيه ) إلى 2%.
وفي تعليقه على هذه النتائج قال الدكتور المجدوب : { نلاحظ أنه كلما ابتعدت القرابة انخفضت نسبة جرائم زنا المحارم ، فيما عدا زنا ( الأم – الابن ) التي هي بطبيعتها قليلة ليس في مصر وحدها ، بل في كل الدول عدا اليابان التي لاحظ المراقبون الغربيون أن الأمهات اليابانيات ما زلن حتى اليوم يستمنين لأبنائهم الشبان خلال النهار في العراء ، وفي الليل في فراش الأسرة ، عسى أن يحول دون وقوع الأسرة في حالة من الفوضى التي تصيب النظام في البيت !.
الحالة الزواجية :
وحول الحالة الزواجية لضحايا زنا المحارم يقول الدكتور المجدوب : { تبين أن نسبة اللاتي لم يسبق لهن الزواج من ضحايا زنا المحارم نسبتهن 47.5% ، تليهن المتزوجات ونسبتهن 26% ، فالمطلقات ونسبتهن 18% ، وأخيرًا الأرامل وبلغت نسبتهن 8.5% إلى العدد الإجمالي للعينة . } أهـ .
ويقول المجدوب { ليس من شك في أن الإقامة معًا تُعَدّ عاملاً مهمًّا في وقوع الزنا بالمحارم ، وهو ما لاحظناه في زنا الإخوة بالأخوات والآباء بالبنات ، وأزواج الأمهات ببنات الزوجات والذي يمثل 76% من حالات زنا المحارم ، حيث يرى الجناة الإناث بإنتظام وهن يتصرفن على سجيتهن ، ويرتدين ثيابًا قليلة ، ويتحركن هنا وهناك بلا تكلف أو حذر. وقد ترتفع النسبة إذا أضفنا من الأنماط الأخرى الحالات التي كانت الضحية تقيم فيها مع الجاني في مسكن واحد مثل الخال الذي يقيم مع الأخت وبناتها ، والبنت المتزوجة وتقيم هي وزوجها مع أسرتها ، بما في ذلك إخوتها .
ويتابع المجدوب : { وفيما يتعلق بزنا الإخوة بالأخوات لم توجد بينهن متزوجات ، وإنما وجدت أرامل بنسبة 4% ،  ومطلقات بنسبة 16% من المجموع الكلي للأخوات اللاتي زني بهن إخوتهن ، وهناك احتمالان : الأول : أن تكون النساء قد عدن للإقامة مع أسرهن بعد ترملهن أو طلاقهن ، والاحتمال الثاني : أن يكون الإخوة الزناة قد انتقلوا للإقامة معهن فحدث ما حدث .
وفيما يتعلق بزنا الأبناء بالأمهات تبين أنه لم تكن بين الأمهات متزوجات ، وإنما مطلقات بنسبة 62.5% ، وأرامل بنسبة 37.5% من المجموع الكلي للأمهات ، وهذا يُعَدّ مؤشرًا إلى أن عدم وجود زوج يلعب دورًا في وقوع الزنا ، خاصة إذا كانت الأم قد حصرت عواطفها في ابنها ، فتركته ينام معها في فراش واحد ، حتى بعد أن بلغ وأصبح مراهقًا ، بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني لديها .
وفيما يتعلق بالحالة الزواجية للجناة فقد تبين أن نسبة الجناة غير المتزوجين تبلغ 49.5% إلى العدد الإجمالي لهم ، يليهم المتزوجون بنسبة 36.5% ، ثم المطلقون بنسبة 9.5% ، وأخيرًا الأرامل ونسبتهم 4.5% .
وبالمقارنة بين نسب الجناة وما يقابلها لدى الضحايا نلاحظ إرتفاع نسبة الذين لم يسبق لهم الزواج من الجناة عن نظرائهم من الضحايا ( 49.5% مقابل 47.5% ) ، وكذلك إرتفاع نسبة المتزوجين من الجناة على نسبة المتزوجات من الضحايا ( 18% مقابل 9.5% ) . }
وفيما يتعلق بإرتفاع نسبة الجناة الذين لم يسبق لهم الزواج على نسبة الضحايا يقول المجدوب : { إنه يتفق وما أعلنه الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء في تقريره الذي نشرته جريدة " الجمهورية المصرية " في 12 مارس 2003 ، من أن عدد العزاب في مصر ممن تتراوح أعمارهم بين العشرين والخامسة والثلاثين بلغ ثمانية ملايين و962 ألفًا و213 شخصًا ، منهم خمسة ملايين و233 ألفًا ذكورًا ، وثلاثة ملايين و728 ألفًا و407 من الإناث ، وهو ما يفسر لنا ارتفاع نسبة الجناة الذين لم يسبق لهم الزواج على نسبة الضحايا اللاتي لم يسبق لهن الزواج .
درجة التعليم :
يقول الدكتور المجدوب في توزيعه للضحايا حسب التعليم : { نهدف من هذا الأمر التعرف على ما إذا كانت توجد علاقة بين المستوى التعليمي لهن ، وبين ترديهن في حمأة الزنا مع محارمهن ، وهل حصول المرأة على شهادة أعلى يجعلها أكثر استعصاء على العوامل التي تؤدي إلى زنا المحارم . وتبين من الدراسة أن اللاتي لا يقرأن ولا يكتبن من الضحايا نسبتهن 26.5% ، في حين بلغت نسبة اللاتي يقرأن ويكتبن 28% انخفضت إلى 15% فيمن يحملن الشهادة الابتدائية ، ثم إلى 13.5% لمن يحملن الشهادة الإعدادية ، وإلى 13% للحاصلات على الشهادة الثانوية ، في حين لم تزد نسبة الحاصلات على شهادة جامعية على 4% . ومن المقارنة بين الضحايا والجناة يتبين الإرتفاع الملحوظ في نسبة من لا يقرأن ولا يكتبن عن مثيلتها لدى الجناة ( 26.5% مقابل 15% ) ، وكذلك إرتفاع نسبة من يقرأن ويكتبن عن مثيلتها لدى الجناة ( 28% مقابل 21% ) . }
عدد غرف السكن :
وأوضحت الدراسة أن نسبة الضحايا اللاتي يقمن في غرفة واحدة بلغت 20% ، في حين إرتفعت نسبة اللاتي يقمن في غرفتين إلى 31% ، تليها نسبة من يقمن في ثلاث غرف وهي 28% ، فاللاتي يقمن في خمس غرف فأكثر وبلغت نسبتهن 5.5% . ويقول المجدوب في تعليقه على هذه النتائج : { عادة ما يستخدم عدد الغرف في المسكن للتعرف على المستوى ( الإقتصادي – الاجتماعي ) الذي ينعكس عادة على السلوك والعلاقات وطريقة الحياة ، وهو ما يطلق عليه وصف الثقافة } .
ويضيف : { لاحظنا أنه في نمط القرابة ( الأخ – الأخت ) الذين إرتكبوا زنا المحارم بلغت نسبة من يقيمون منهم في غرفة واحدة 30% إلى العدد الإجمالي للإخوة والأخوات الذين مارسوا هذه العلاقة الآثمة . وتتفق النسبة مع ما أسفر عنه الإحصاء العام للسكان الذي أجري في عام 1996 الذي أفاد بأن 30% من الأسر في مصر يقيمون في غرفة واحدة بمتوسط سبعة أفراد .
أما الإخوة والأخوات الذين يقيمون في غرفتين بلغت نسبتهم 40% يليهم الذين يقيمون في ثلاث غرف ، وبلغت نسبتهم 20% ، فالذين يقيمون في أربع غرف ونسبتهم 10% . وهكذا يكون الازدحام في غرفتين له نفس الأثر الذي للازدحام في غرفة واحدة ، وربما أكثر بالنظر إلى أن الأبناء غالبًا ما ينامون متلاصقين على سريرين لا أكثر ، حيث قد لا تتسع الغرفة لأكثر من ذلك ، كما أن ضيق الشقة غالبًا ما يحول دون أن تكون لأعضائها خصوصية ، وهو من أهم العوامل التي تؤدي إلى زنا المحارم . }
نسبة التدين :
وحول توزيع الضحايا حسب درجة تدينهن أشارت الدراسة إلى أنه بالنسبة للصلاة تبين أن اللاتي أجبن أنهن يصلين بانتظام بلغت نسبتهن 2.5% فقط ، أما اللاتي يصلين أحيانًا فبلغت نسبتهن 31% ، في حين بلغت نسبة اللاتي لا يصلين بالمرة 66.5% . ويعلق المجدوب على هذه النتائج بالقول : { وهكذا تتسق إجابات الضحايا مع سلوكهن المشين ، فغالبيتهن لا يصلين بالمرة ، وحوالي ثلثهن يصلين أحيانًا مما يفسر لنا لماذا ارتكبن الجريمة البشعة ، فلو كان لديهن وازع ديني قوي لامتنعن عنها ، وبالذات كبيرات السن منهن كالأمهات والعمات والخالات وغيرهن .
وحول فريضة الصيام تقول الدراسة إن الضحايا اللاتي أجبن أنهن يصمن بانتظام بلغت نسبتهن 30% ، أما اللاتي يصمن بغير انتظام فقد بلغت نسبتهن 37.5% ، وانخفضت إلى 32.5% لمن أجبن أنهن لا يصمن بالمرة .
ويعلق الدكتور المجدوب على هذه النتائج بالقول: { هكذا نلاحظ ميلاً واضحًا نحو عدم التدين لدى ضحايا زنا المحارم ، وهو الذي يضعف الوازع الديني لديهن ، بل يعدمه فيصبح إقدامهن على ارتكاب الجريمة سهلاً ، إذا توافرت العوامل الأخرى التي تتفاعل فتؤدي إليه ، فالمعروف عن الجريمة أن الجريمة بصفة عامة تقع إذا تغلبت الدوافع على الموانع } أهـ .
وقد كشفت إحصائية حديثة صادرة عن وزارة العدل ومحاكم الأسرة ، عن أن حجم الدعاوى المتداولة على مستوى الجمهورية الناتجة عن حالات الطلاق للزنا والمرفوع بها دعاوى أمام محاكم الأسرة ، بلغت (79 ألف) دعوى ، والكارثة في تفاقم ظاهرة زنا المحارم التي وصلت إلى ( 7 آلاف ) دعوى زنا محارم .
ولا يكاد يمر يوم واحد إلا وتطالعنا وسائل الإعلام بأخبار زنى المحارم ، مما حدا بأحد المحامين إلى رفع دعوى أمام محكمة القضاء الإدارى بالقاهرة ، والتى تطالب بإصدار قرار بمنع عرض ونشر قضايا زنى المحارم بأى وسيلة إعلامية سواء مقرؤة ، أو مسموعة ، أو مرئية . واختصمت الدعوى التى حملت رقم 13571 لسنة 69 قضائية ، رئيس الوزراء بصفته القانونية ، حيث أشارت الدعوى إلى أن عرض مثل هذه القضايا فى وسائل الإعلام وخاصة المرئية يفسد أخلاق المجتمع والأسر الفقيرة ، ويثير غرائز ضعاف النفوس ، وأن البيوت مليئة بالأطفال الذين يجب على الإعلام أن يحفزهم ويبعد أفكارهم وسمعهم عن مثل هذه الأمور فى زمن قلت فيه الأخلاق وعظمت فيه الكبائر .
الوقفة الثانية : تعريف الزنى :
تعريفه لغة :
 الزاي ، والنون ، والحرف المعتل  الألف يمد ويقصر ، قال الجوهري : { الزنى يمد ويقصر ، فالقصر لأهل الحجاز ، والمد لأهل نجد ... }  وعلى هذا يكون فيها لغتان :
الأولى : اسم ممدود فيقال : الزنا ، وهي لغة أهل نجد ، وقيل لبني تميم منهم خاصةً .
 الثانية : اسم مقصور ، فيقال : الزنى ، وهي لغة أهل الحجاز ، و بها ورد القرآن الكريم ، والأصل أن تكتب هكذا الزنى بألف مقصورة ،  وعليه جرى الرسم في القرآن ،  في قول الله ـــ تعالى ـــ  { ولا تقربوا الزنى } ( الإسراء : 32 ) ويجوز لغة  أن تكتب هكذا الزنا بألف ممدودة .
وعلى كلتا اللغتين ـــ القصر والمد ـــ فهو مصدر : زنى يزنى زنا بالمد ، أو زنى بالقصر ، والنسبة إليه : زنوي وجمعه : زناة ، واسم الفاعل منه : زانِ ، يقال للرجل : زانٍ وللمرأة زانية ،  ومنه قول الله ــ تعالى ــ : ــ { الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة... } ( النور : 2 ) .
تعريفه شرعا :
تعريفه عند الحنفية :
عرف الزنى عند الحنفية بعدة تعريفات متقاربة ، ومن أشهرها أنه : وطء في قبلٍ ، خالٍ عن ملكٍ وشبهةٍ  . ( يراجع بدائع الصنائع للكاسانى ، والبحر الرائق لإبن نجيم )
تعريفه عند المالكية :
عرفه خليل فى " منح الجليل " بأنه : { وطء مكلف مسلم فرجَ آدمي ،  لا ملك له فيه ، باتفاق تعمداً } أهـ .
وقريب منه تعريف ابن عرفة فى " شرح حدود إبن عرفه " بأنه : { مغيب حشفة آدمي ،  في فرج آخر،  دون شبهة حله } أهـ .
تعريفه عند الشافعية :
عرفه الغزالي فى " المستصفى " بأنه : { إيلاج الفرج في الفرج المحرم قطعاً ، المشتهى طبعاً } أهـ .
وقريب منه تعريف النووي بأنه : { إيلاج الذكر ، بفرج محرم ، لعينه ، خال من الشبهة ، مشتهى طبعاً } أهـ ( يراجع مغنى المحتاج )
تعريفه عند الحنابلة :
عرفه المجد ابن تيمية فقال : { تغييب حشفة في قبل أو دبر حراماً محضاً  } أهـ . ( يراجع زاد المستقنع )
وقريب منه تعريف البهوتي فى " كشاف القناع "  بأنه :  { فعل الفاحشة في قبل أو دبر } .
التعريف المختار :
يمكن تقسيم التعاريف السابقة إلى قسمين :
1- تعريف الجمهور من المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، الذين جعلوا الزنى شاملا للوطء في القبل ، وفي الدبر اللواط .
2- تعريف الحنفية الذين خصوا الزنى بالوطء في القبل ، وعندهم أن اللواط لايدخل في معنى الزنى .
والأقرب هو تعريف الحنفية ،  لأن الوطء في الدبر ،  لايسمى زنى لالغة  ولا شرعاً ولا عرفاً ، وحكمه مغاير للزنى فهو : القتل بكل حال  كما أجمع على ذلك الصحابة – رضي الله عنه - وإن اختلفوا في صفة القتل ،  بينما الزنى : الجلد والتغريب ، لغير المحصن ، والرجم للمحصن ،  ولهذا فالتعريف المختار هو تعريف الحنفية وهو: وطء في قبل خال عن ملك وشبهة .
شرح التعريف :
 وطء : وهو تغيب حشفة ذكر فى فرج أنثى آدمية . وخرج به مادون الوطء ، كالمباشرة ، والقبلة ، ونحوها ، وإن كانت قد تسمى زنى لغة ،  كما في الحديث :  .. { العينان : زناهما النظر، والأذنان : زناها الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد : زناها البطش ، والرجل : زناها الخطى }  إلا أنها لاتدخل في الزنى بمعناه الاصطلاحي .
 في قبل  : يخرج به الوطء في الدبر ، وهو اللواط ، فلا يسمى زنى ،  كما سبق تقرير ذلك .
 خال عن ملك : أي عن نكاح ، يملك به الزوج حق الاستمتاع بالمرأة ،  أو ملك يمين .
أو شبهة : أي شبهة النكاح ، أو شبهة ملك اليمين ،  فلا يسمى ذلك زنى . كما لو وطئ امرأة بعقد نكاح ، ثم تبين أنها أخته من الرضاع ، أو زفت إليه امرأة ، ظنها زوجته ، أو جاريته ، فوطئها ، فلا يعد هذا من الزنى ، وإنما هو وطء بشبهة .
الوقفة الثانية : تعريف المحارم :
محارم الشخص هن الواردات فى قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } ( النساء : 23 ) .
فالمحرمات من النساء نوعان :
الاول : محرمات تحريم على سبيل التأبيد .
الثانى : محرمات تحريم على سبيل التأقيت .
أولا المحرمات على سبيل التأبيد : هن اللاتى لا يحل للشخص الزواج بهن أبدا ، لأن سبب التحريم صفة ملازمة للمرأة لا تزول عنها مدى الحياة .
وأسباب التحريم المؤبد ثلاثة هى :-
1- القرابة النسبية .    2- قرابة المصاهرة .     3- قرابة الرضاع .
1- القرابة النسبية :
يحرم بسبب القرابه النسبيه أربعه اصناف من النساء وهن :-
أ - أصول الشخص : وهن الأم ، والجدات وإن علون ، لقوله تعالى { حرمت عليكم امهاتكم }
ب – فروع الشخص :  وهن : بناته الصلبيات - اللاتى من صلبه - وبنات أبنائه ، وبنات بناته ، وإن نزلن ، لقوله تعالى : { وبناتكم } . ولافرق فى التحريم بين البنت من النكاح و البنت من السفاح ، وكذلك كل الفروع من السفاح لافرق بينهن وبين الفروع من النكاح ، وهذا ما ذهب اله جمهور الفقهاء ، خلافا للإمام الشافعى - رحمه الله - أنه لا تحرم البنت من السفاح على أبيها .
ج - فروع أبوى الشخص أو أحدهما : وهن : الأخوات سواء كن شقيقات - من ناحيه الأب و الام – أو لأب - من ناحية الاب فقط – أو لأم - من ناحية الأم فقط - لقوله تعالى : { وأخواتكم } ، وكذلك بنات الأخوات وإن نزلن ، وبنات الإخوة وإن نزلن سواء كانت الأخوة من ناحية الأبوين معا أو من ناحية أحدهما لقوله تعالى : { وبنات الاخ وبنات الاخت } وقد أجمعت الأمة الإسلامية على هذا التحريم ولم يخالف فى ذلك أحد من المسلمين .
د - فروع الأجداد والجدات : وهن العمات والخالات فقط سواء كن شقيقات ، أم لاب فقط ، أو لأم فقط ، لقوله تعالى : { وعماتكم وخالاتكم }  وقد أجمعت الأمة الإسلامية على ذلك أيضا .
الحكمة من التحريم : أن الزواج بهن يؤدى الى قطع الرحم ، وقطع الرحم حرام وأننا أمرنا بصلتهن ، والقاعدة أن الوسيلة إلى الحرام محرمة ،  فيكون الزواج بهن حراما .
2- المحرمات بسبب المصاهرة :
ويحرم بسبب المصاهرة أربعة أصناف - أيضا - من النساء ، وهن :
أ – أصول الزوجة : وهن  أم زوجته ، وأم أمها ، وأم أبيها ، وان علون ، لقول الله تعالى : { وأمهات نسائكم }.
ولا يشترط في تحريمها الدخول بها ، بل مجرد العقد عليها يحرمها .
ب – فروع الزوجة : وهن إبنة زوجته التي دخل بها ، وبنات بناتها ، وبنات أبنائها ، وان نزلن ، لأنهن من بناتها لقول الله تعالى : { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم }.
فالقاعدة : العقد على البنات يحرم الأمهات ، والدخول بالأمهات يحرم البنات ، والعلة فى ذلك أن الشخص قد يعقد على المرأة ، ولم يدخل بها ، ثم يرى إبنتها فتعجبه ، فجعل الشارع له حق طلاق أمها والزواج بها ، والأم لا تتمنى أحدا أفضل منها إلا أولادها ، بينما لم يجعل ذلك بالنسبة للبنت فلو عقد عليها تحرم عليه أمها ، فلو جعل ذلك له لغارت البنت وأفضى ذلك إلى قطيعة رحمها مع أمها .
والربائب : جمع ربيبة ، وربيب الرجل ولد امرأته من غيره ، سمي ربيبا له ، لأنه يربه كما يرب ولده أي يسوسه ، وقوله : { اللاتي في حجوركم } وصف لبيان الشأن الغالب في الربيبة ، وهو أن تكون في حجر زوج أمها ، وليس قيدا.
وعند الظاهرية أنه قيد ، وأن الرجل لا تحرم عليه ربيبته - أي ابنة امرأته - إذا لم تكن في حجره ، وروي هذا عن بعض الصحابة ، فعن مالك بن أوس قال : كان عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي ، فوجدت فلقيني علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : مالك ؟ فقلت : توفيت المرأة ، فقال : ألها بنت ؟  قلت : نعم ، وهي بالطائف قال : كانت في حجرك ؟ قلت : لا قال : انكحها ، قلت : فأين قول الله تعالى : { وربائبكم اللاتي في حجوركم } ؟ ! قال : انها لم تكن في حجرك ، انما ذلك إذا كانت في حجرك . }
ورد جمهور العلماء هذا الرأي وقالوا : أن حديث علي هذا لا يثبت ، لأن رواية ابراهيم بن عبيد ، عن مالك بن أوس ، عن علي رضي الله عنه . وابراهيم هذا لا يعرف ، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف .
ج – حلائل الأبناء : وهن زوجة الإبن ، وإبن إبنه ، وإبن بنته ، وإن نزل لقول الله تعالى : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم }.
و الحلائل جمع حليلة ، وهي الزوجة ، والزوج حليل .
د - زوجة الأب : يحرم على الإبن التزوج بحليلة أبيه ، بمجرد عقد الاب عليها ، ولم يدخل بها .
وكان هذا النوع من الزواج فاشيا في الجاهلية ، وكانوا يسمونه زواج المقت وسمي الولد منها مقيتا ، أو مقتيا ، وقد نهى الله عنه وذمه ونفر منه ، قال الإمام الرازي : مراتب القبح ثلاث : القبح العقلي ، والقبح الشرعي ، والقبح العادي .
وقد وصف الله هذا النكاح بكل ذلك ، فقوله سبحانه : { فاحشة } إشارة الى مرتبة قبحه العقلي ، وقوله تعالى : { ومقتا } إشارة الى مرتبة قبحه الشرعي ، وقوله تعالى : { وساء سبيلا } اشارة الى مرتبة قبحه العادي .
وقد روى ابن سعد عن محمد بن كعب سبب نزول هذه الآية ، قال : كان الرجل إذا توفي عن امرأته ، كان ابنه أحق بها أن ينكحها أن شاء ، أن لم تكن أمه ، أو ينكحها من شاء ، فلما مات أبو قيس بن الاسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئا ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : إرجعي لعل الله ينزل فيك شيئا فنزلت الآية : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا } .
ويرى الأحناف أن من زنى بامرأة ، أو لمسها ، أو قبلها ، أو نظر الى فرجها بشهوة ، حرم عليه أصولها وفروعها ، وتحرم هي على أصوله وفروعه إذ أن حرمة المصاهرة تثبت عندهم بالزنا ، ومثله مقدماته ودواعيه ، قالوا : ولو زنا الرجل بأم زوجته ، أو بنتها حرمت عليه حرمة مؤبدة .
ويرى جمهور العلماء أن الزنا لا تثبت به حرمة المصاهرة ، واستدلوا على هذا بما يأتي :
1- قول الله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فهذا بيان عما يحل من النساء بعد بيان ما حرم منهن ، ولم يذكر أن الزنا من أسباب التحريم .
2- روت عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل زنى بامرأة .
فأراد أن يتزوجها أو ابنتها . فقال صلى الله عليه وسلم : { لا يحرم الحرام الحلال ، إنما يحرم ما كان بنكاح } ( رواه ابن ماجه عن ابن عمر ، وقال عنه الألبانى : باطل )
3- أن ما ذكروه من الاحكام في ذلك هو مما تمس إليه الحاجة ، وتعم به البلوى أحيانا ، وما كان الشارع ليسكت عنه ، فلا ينزل به قرآن ، ولا تمضي به سنة ، ولا يصح فيه خبر ، ولا أثر عن الصحابة ، وقد كانوا قريبي عهد بالجاهلية التي كان الزنا فيها فاشيا بينهم .
فلو فهم أحد منهم أن لذلك مدركا في الشرع أو تدل عليه علة وحكمة لسألوا عن ذلك ، وتوفرت الدواعي على نقل ما يفتنون به .
4- ولأنه معنى لا تصير به المرأة فراشا ، فلم يتعلق به تحريم المصاهرة ، كالمباشرة بغير شهوة .


** نائب رئيس هيئة قضايا الدولة والكاتب بمجلة التوحيد 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع عودة أحمد شفيق إلى مصر لخوض انتخابات الرئاسة؟

  • عشاء

    07:23 م
  • فجر

    04:27

  • شروق

    05:50

  • ظهر

    11:51

  • عصر

    15:18

  • مغرب

    17:53

  • عشاء

    19:23

من الى