• الخميس 23 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر11:00 ص
بحث متقدم

مناضلة تخذل قيمها وشعاراتها !

مقالات

أخبار متعلقة

السياسة قذارة، ذات وجه مزدوج، لكن من يصنع ذلك؟، إنهم الساسة والناشطون في مجالها، وتسمع من السياسي معسول الكلام عندما يكون خارج السلطة، ثم وهو في داخلها يصير أسوأ ممن حل محله.
قبل أيام كنت أشاهد فيلما عن قصة حقيقية لملك بتسوانا الشاب الذي كان يتعلم في بريطانيا، وكانت مملكته الصغيرة تخضع للحماية البريطانية حتى لا تبتلعها جنوب أفريقيا العنصرية آنذاك، أحداث الفيلم كانت تدور قبل منتصف القرن الماضي، وقد أحب فتاة بريطانية بيضاء، وتزوجا ضد رغبة أسرتها، وضد إرادة عمه الوصي على العرش، خاض الشاب المثقف المنفتح صراعات عنيفة مع عمه والسلطات البريطانية للإقرار بالزواج والواقع الجديد، لكن دون جدوى فتم عزله، وخُدع عندما سافر إلى لندن لحل المشكلة حيث تم احتجازه لسنوات بعيدا عن زوجته التي بقيت في بتسوانا، وصدر قرار بنفيه، لكنه رفض التنفيذ، بدأ الإعلام البريطاني ينتبه لقضيته، وانتقد زعيم المعارضة ونستون تشرشل الحكومة لاضطهادها الملك المعزول، ووعد بإعادته لمملكته لو فاز حزب المحافظين في الانتخابات، لكن ما إن فاز حتى نكث بوعده سريعا، وقرر نفيه ودون أي امتيازات.
هكذا أيضا سانج سان سوتشي مستشار الدولة في ميانمار، الدولة ذات السجل الأسوأ عالميا في اضطهاد الأقلية المسلمة "الروهينجا"، سوتشي كانت مناضلة للديمقراطية، وملهمة للأحرار، وأيقونة في الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، ومدافعة صلبة ضد النظام العسكري الديكتاتوري الحاكم في بلدها لسنوات طويلة خضعت خلالها للإقامة الجبرية في بيتها، لا يتواصل معها أحد، ولا تتواصل هي مع أحد إلا بإذن الحاكم العسكري الغشوم، ولهذا حصدت جائزة نوبل للسلام، وجائزة سخاروف لحرية الفكر من البرلمان الأوروبي، وجوائز أخرى، كما حصدت احتراما عالميا واسعا، وقد كتبت عنها معلنا تقديري لها يوم أن نجح صمودها وصبرها وعدم يأسها ورفضها مغادرة بلدها في جعل النظام العسكري يتخلى عن السلطة، ويسمح بالانتقال المدني للحكم، وتعود وحزبها لقيادة الدولة بعد الفوز في الانتخابات.
لكن اليوم ومع المأساة المروعة التي يتعرض لها أكثر من مليون شخص من شعبها يشكلون الأقلية المسلمة المظلومة فإنها تنكشف وتترنح في الاختبار الأهم لقياس حقيقة الشعارات التي كانت ترفعها، والقيم الإنسانية التي كانت تتبناها، والنضال الذي كانت تمارسه.
هنا الفارق بين السياسي صاحب المبدأ الذي يضحي في سبيله مهما كلفه ذلك، وهو عملة نادرة جدا في التاريخ الإنساني كله، وبين السياسي الطامح للوصول إلى السلطة، والبقاء فيها بأي ثمن، أو الذي يخبئ تحت لسانه وجلده عنصرية وشوفينية قومية ودينية وعرقية.
هنا أستدعي نموذج السير توماس مور السياسي والقانوني الذي ضحى بحياته على المقصلة "6 يوليو 1535" حتى لا يخالف القانون أو يخون ضميره ومصداقيته مع نفسه ويقر لملك بريطانيا هنري الثامن بأحقيته في تطليق زوجته، والزواج عليها، ورئاسته للكنيسة الكاثوليكية رغم أنه كان الأقرب للملك والمستشار الأمين له، استحق هذا الرجل أن يكون رجلا لكل العصور فعلا، خلده التاريخ، بينما وضع التاريخ من تآمروا عليه وخانوه وقدموه للإعدام إرضاء للملك في صفحاته السوداء.
تردي سيدة ميانمار، وحاكمتها المدنية، وأزمتها السياسية والأخلاقية والإنسانية يجوب العالم، الأحرار في العالم الديمقراطي يكتبون شهادة نعي نضالها، ويتحسرون على تاريخها، ويسعون لسحب جوائز النضال منها، 11 من الحاصلين على نوبل للسلام يدعون لسحب الجائزة التي حصلت عليها عام 1991، وإذا كان ذلك صعبا بسبب طبيعة الجائزة، فإن مجرد إعلان هؤلاء لدعوتهم وتضامن منظمات حقوقية دولية معتبرة معهم هو بمثابة تجريدها معنويا من الجائزة، والبرلمان الأوروبي الذي منحها جائزة سخاروف لحرية الفكر عام 1990 قرر يوم الخميس بحث سحب الجائزة منها لأنها لم تحترم حقوق الإنسان، وتتخلى عن حماية الأقليات.
المناضلة السابقة خذلت الروهينجا الأقلية الأكثر حرمانا في العالم من حقوق إنسانية أصيلة لها في الجنسية وحرية التنقل والعمل والعبادة والزواج والتعليم والصحة والخدمات، وعلاوة على ذلك تبرر للدولة ممارسة العنف ضد المدنيين في جرائم شديدة الفظاعة جعلت البرلمان الأوروبي يعبر عن الصدمة مما يحدث.
الجيش وقوات الأمن والعصابات البوذية المتطرفة لا يواجهون ما يُسمى بـ "جيش تحرير روهينجا أراكان" وحده، إنما انتهزوا فرصة قيام عناصر التنظيم بمهاجمة عدد من مراكز الشرطة، وقتل 11 شرطيا، ليشنوا حرب إبادة ضد المسلمين كلهم، هجوم ساحق وشامل يستهدف كتلة سكانية كاملة، ويطردهم خارج ميانمار للخلاص منهم جميعا.
هل يمكن أن نلتمس لـ سوتشي بعض العذر في تواطئها لأن الجيش لايزال يفرض سطوته على الحكم، وأن الحملة العسكرية هي من صميم عمله؟، يصعب ذلك بالطبع، لأنه لو كان يتعقب مسلحين فما ذنب المدنيين؟، ولماذا يدفع 400 ألفا للهرب باتجاه بنجلاديش حتى اليوم، بجانب ألف قتيل وربما أكثر، وحرق آلاف القرى؟.
ولماذا لم تطلق سوتشي تصريحا واحدا منذ بدء الحملة الوحشية الراهنة تدافع فيه عن حقوق الانسان، وهي التي عانت كثيرا بسبب انتهاك حقوقها ومعها  الملايين من مؤيديها؟. 
ولماذا لم تقم ببحث أوضاع الروهينجا ودمجهم في الدولة والمجتمع وفق برنامج مرن منذ تقلدت السلطة في 2015؟.
يُفسر جانب من هذا التواطؤ الذي لم يعد خفيا مع السلطة العسكرية في معلومة ذات دلالة، فقد أجرت محطة "بي بي سي" حوارا معها منذ فترة، وناقشتها المذيعة بجدية وإطلاع في أزمة الروهينجا وحقوق المسلمين، ومارست دورها الإعلامي في السؤال والجدال كما يجب، لكن سوتشي تهربت من تقديم إجابات واضحة. 
وبعد نهاية الحوار لامت سوتشي المحطة لأن المذيعة كانت مسلمة، وقالت لو علمت بذلك ما وافقت على الحديث.
في داخلها أيضا مساحة من التطرف القومي، والتعصب الديني والعرقي.
الساسة أصحاب الوجهين حتما ينكشفون فيتساقطون.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • ظهر

    11:46 ص
  • فجر

    05:07

  • شروق

    06:34

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى