• الثلاثاء 26 سبتمبر 2017
  • بتوقيت مصر05:45 ص
بحث متقدم

الإمام الشافعي.. المالكي المنشق!

مقالات

أخبار متعلقة

 في غزة سنة 150 للهجرة، وُلد محمد بن إدريس الشافعي، وكان منذ نعومة أظفاره تواقًا إلى طلب العلم يجوب في سبيل تحصيله البلاد؛ فرحل وعمره آنذاك أربعة عشر عامًا إلى المدينة المنورة ليتتلمذ على مالك بن أنس، إمام أهل الحجاز في ذلك الوقت، يروي الشافعي أنه دخل المسجد النبوي ورأى مالكًا للمرة الأولى يضرب بيده قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلا: "حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر"، يقول الشافعي: "فلما رأيت ذلك هبته الهيبة العظيمة". 
أصبح الشافعي منذ ذلك اليوم واحدًا من تلاميذ مالك الذي وافته المنية سنة 179، ثم صار فيما بعد واحدًا من فقهاء المذهب المالكي حتى سافر إلى بغداد سنة 184 ومكث فيها نحو عامين درس فيهما فقه أبي حنيفة؛ على يد تلميذه محمد بن الحسن الشيباني، ثم عاد إلى مكة وبقي فيها تسع سنوات ظهرت له خلالها آراء فقهية جديدة يخالف فيها مالكًا وأبا حنيفة في نفس الوقت؛ فقد تغيرت قناعته أثناء فترة وجوده في بغداد، ولم يعد مقتنعًا بكل آراء مالك كما كان مقتنعًا بها في السابق، ولم يقتنع في الوقت ذاته بجميع آراء أبي حنيفة. 
وفي سنة 195 عاد إلى بغداد مرة ثانية ومكث فيها أربع سنوات تجاوز خلالها الاهتمام بالمسائل الفقهية الجزئية إلى النظر في القواعد الكلية التي في ضوئها يتم استنباط الأحكام الفقهية وألف كتابه "الرسالة" الذي يعد أول كتاب مدون في علم أصول الفقه، لم يعد الشافعي مقتنعًا بالإطار الأصولي الذي تستنبط به المدرسة المالكية الأحكام الفقهية، ولم يقتنع كذلك بالإطار الأصولي لمدرسة الأحناف؛ فأسس لمدرسة علمية جديدة ستصبح فيما بعد واحدة من المذاهب الفقهية المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي. 
قرر الشافعي سنة 199 أن ينتقل إلى مصر التي يتوزع طلاب العلم فيها بين المدرستين الكبيرتين المالكية والحنفية؛ بهدف نشر مذهبه الجديد، وقال في ذلك: "أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله وآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعًا".
عند قدوم الشافعي إلى مصر كان يكتفي بطرح آرائه الجديدة دون أن يتعرض بالنقد لآراء أستاذه مالك، حتى وجد من أتباع مالك تقديسًا غير مبرر له ولمذهبه؛ فقد سمع أن بعض أتباعه يتبركون بقلنسوته وأن بعضهم إذا رُوي له في مسألة حديثُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عارضه بقول لمالك، شعر الشافعي بخطورة الأمر وخشي ذلك الخلط بين النص المقدس وبين المناهج البشرية التي تصيب في فهمه وتخطئ، فأعلن أن "مالكا آدمي قد يخطئ ويغلط" وألف كتابه "خلاف مالك" يفند فيه بعض آرائه التي جانبت الصواب من وجهة نظره. 
هنا ثارت ثائرة المالكية في مصر وحملوا على الشافعي حملة شعواء تعرض فيها لشتم عوامهم والدعاء عليه من علمائهم ومارس المالكية ضده تضييقًا لمحاولة منعه من تدريس مذهبه، وحاولوا تشويهه معنويًا لصرف الناس عنه، ويروى في سبب وفاته أنهم تربصوا به ذات يوم وأوسعوه ضربًا أنهكه حتى قضى نحبه سنة 204 متأثرًا بضربات ذلك اليوم، ومما روي في رد فعل فقهاء المالكية عليه أن ابن المنكدر قال له يومًا: "دخلت هذه البلدة وأمرنا واحد ففرقت بيننا وألقيت بيننا الشر، فرق الله بين روحك وجسمك"، ومما روي كذلك أن الفقيه المالكي أشهب بن عبد العزيز كان يدعو في سجوده على الشافعي بهذا الدعاء: "اللهم أمت الشافعي؛ فإنك إن أبقيته اندرس مذهب مالك" فلما علم الشافعي أنشد يقول:
تمنى رجال أن أموت، وإن أمت / فتلك سبيل لستُ فيها بأوحدِ
وما موت من قد مات قبلي بضائرٍ / ولا عيش من قد عاش بعدي بمخلدِ
لعل الذي يرجو فنائي ويدّعي / به قبل موتي أن يكون هو الردِي.
 
والمطالع لديوان الشافعي يجد فيه زفرات نفس متألمة من وقع هذا الهجوم والتشويه؛ في مثل قوله:
يخاطبني السفيه بكل قبح / فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما / كعود زاده الإحراق طيبا
وفي مثل قوله:
إذا نطق السفيه فلا تجبه / فخير من إجابته السكوتُ
فإن كلمتَه فرّجتَ عنه / وإن خلّيتَه كمَدًا يموتُ
وفي مثل قوله:
قالوا سكتَّ وقد خوصمتَ قلتُ لهم / إن الجواب لباب الشر مفتاحُ
والصمت عن جاهل أو أحمق شرف / وفيه أيضا لصون العِرض إصلاحُ
أما ترى الأُسْد تُخشى وهْي صامتة / والكلب يُخسى لعمري وهْو نبّاحُ.
 
لقد خلط مالكية مصر في ذلك الوقت بين النصوص المقدسة وبين المناهج العلمية التي وضعها البشر لاستنباط الأحكام الفقهية من تلك النصوص، وخاصموا الشافعي لأنه أراد التمييز بين الأمرين، ورأوا في نقده العلمي تجريحًا لشخص مالك، ولم يقبلوا أن يعلن أنه مثل كل البشر يصيب ويخطئ، مخالفين بذلك مالكًا نفسه الذي كان يقول: "كلٌّ يؤخذ من كلامه ويُرد إلا صاحب هذه الروضة" يعني النبي - صلى الله عليه وسلم، والذي عرض عليه أحد الخلفاء ذات يوم أن يعلق كتابه "الموطأ" على أستار الكعبة ليلزم المسلمين جميعًا بالعمل وفق مذهبه الفقهي فرفض مالك أن يعمم على الناس رأيا فقهيا يصيب ويخطئ، ورأى المالكية في الشافعي ذلك المنشق الذي ينال بنقده من أستاذ لم يعد وفيًا له كما يتصورون، فعاملوه بطريقة خشنة يسيطر عليها التعصب. 
هذا قريب مما نراه في عديد من التنظيمات الإسلامية المعاصرة التي تخلط بين الدين والتنظيم وتتعامل مع مؤسسيها وكأنهم معصومون من الخطأ وتقدس مقولاتهم وأفكارهم وكأنها ليست بحاجة إلى تعديل وتطوير، وتناصب العداء كل ناقد أو داعٍ للتجديد وتمارس ضده نوعًا من التشويه والاغتيال المعنوي، وقد يصل الأمر بالاتباع إلى حد الشتم أو الضرب أو القتل إذا لزم الأمر.
إن الأمة بحاجة إلى التخلص من هذا الخلط المتعسف بين المقدس والبشري وبين الثابت والمتغير، بحاجة إلى التخلص من الخلط بين النص وفهم النص، وبين النص وصاحب الرأي في فهم النص، وبين الإسلام ونظريات تغيير بشرية تستند إلى الإسلام وقد تصيب في فهمه وقد تخطئ، وبين الفكرة وتنظيم تأسس لخدمة هذه الفكرة. 
هذا الخلط المتعسف كان وما يزال سببًا في تمزيق الأمة وتفتيت المجتمعات وفي نشأة خصومات وصراعات، وقد آن لأوطاننا وأمتنا أن تلقي عن كاهلها ذلك الركام وتنطلق بتصورات صحيحة نحو المستقبل.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع عودة أحمد شفيق إلى مصر لخوض انتخابات الرئاسة؟

  • شروق

    05:50 ص
  • فجر

    04:27

  • شروق

    05:50

  • ظهر

    11:51

  • عصر

    15:17

  • مغرب

    17:51

  • عشاء

    19:21

من الى