• الإثنين 11 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر09:30 ص
بحث متقدم

إنسان التنظيم.. أسير "الرواية الرسمية"

مقالات

أخبار متعلقة

 حينما ينشب خلاف بين أطراف وتتباين فيه وجهات النظر، وتتعدد زوايا الرؤية؛ ينبغي على الباحث عن الحقيقة أن يستمع أولاً إلى جميع الأطراف المعنية ويقلب وجهات النظر كلها ويوازن بين الآراء المطروحة، قبل أن يصل في نهاية المطاف إلى استنتاج يطمئن إليه عقله ويستريح له قلبه.. هذه قاعدة علمية يعرفها كل باحث، ومسلّمة قضائية يدركها كل من جلس يومًا ليحكم بين المتخاصمين، وأمر إلهي لا يصح أن يحيد عنه مؤمن؛ "فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" (سورة الحجرات: آية6)، ومخالفة ذلك الأمر إثم ينبغي أن يتوب صاحبه؛ فقد ذكر القرطبي عند تفسير آيات سورة "ص" التي تتحدث عن خصمين تسوّرا محراب داود عليه السلام ذات يوم وعرضا عليه قضيتهما ليحكم فيها؛ ذكر عدة أقوال في الفتنة التي وقع فيها داود واستوجبت منه أن يخرّ راكعًا لربه وأن ينيب، منها أنه حكم في القضية بعد الاستماع فقط إلى أحد طرفي الخلاف دون الآخر.
 بالنظر إلى واقع التنظيم الإخواني، نجد أن هذه القاعدة لا وجود لها في الخلافات التي تكون فيها القيادة المهيمنة على مقاليد الجماعة طرفًا من بين الأطراف؛ سواء كان الخلاف حول إطار العمل التنظيمي أو حول الأفكار التي يعتنقها التنظيم؛ في هذه الحالة يصبح المنتمي إلى التنظيم أمام "رواية رسمية" تتبناها القيادة المهيمنة ورواية أخرى يتبناها المخالفون، ووفق القاعدة فإنه ينبغي أن يسعى فرد التنظيم إلى الاستماع إلى وجهات النظر جميعها ليوازن بينها ويخرج باستنتاج، ولكن أدبيات الجماعة وأعرافها التنظيمية لا تمنحه هذه الفرصة؛ فالقيادة جديرة بالثقة وركن الثقة أحد أركان البيعة العشرة التي يعاهد عليها الفرد جماعته، وعدم تسليمه برواية القيادة يطعن في وفائه بهذا الركن وليس لهذا معنى في التصور السائد داخل الجماعة إلا عدم جدارة هذا الفرد بالانتماء للتنظيم، والتجرد - بمعنى الانتماء للجماعة وإعطائها الولاء دون غيرها - ركن آخر من أركان البيعة، والقيادة هي الممثل لهذه الجماعة، فيصبح الاستماع إليها دون غيرها أحد مظاهر هذا التجرد، والطاعة كذلك ركن ثالث من هذه الأركان، وهي واجبة على الفرد فيما أحب وكره، وبديهي أن يذعن للأمر بعدم الإصغاء للمخالفين؛ وهكذا تتجمع خيوط الأدبيات والأعراف التنظيمية لتنسج الحواجز الكثيفة أمام إنسان التنظيم فلا يرى إلا ما تراه القيادة ولا يسمع إلا ما تريد منه أن يسمع ولا يقتنع إلا بالرواية الصادرة عنها دون سواها، وهي بدورها تقوم بصياغة الرواية الرسمية بإحكام وتنشرها في محاضن التنظيم في رسائل شفوية ومكتوبة، وقد تدوّنها بعد ذلك في كتب تروي تاريخ حقب ماضية، لتصبح تلك الرواية بمرور الزمن ثابتة في عقول أجيال التنظيم لا تقبل تشكيكا أو مناقشة.
في عام 1953، وقع خلاف كبير بين جناحين داخل القيادة الإخوانية انتهى إلى سيطرة واحد منهما على مقاليد الأمور وإخراج الآخر من دائرة الجماعة، وكان على رأس الفريق المهيمن المرشد الثاني للإخوان حسن الهضيبي، وكان الفريق المفصول يتزعمه صالح عشماوي وسيد سابق ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال، وكلهم من قيادات الصف الأول في ذلك الوقت.
 اعتمد الإخوان الرواية الرسمية ودوّنوها في مذكراتهم لاحقا وانتشرت بين الإخوان انتشار النار في الهشيم؛ وملخص الرواية أن هؤلاء القادة الأربعة تزعموا محاولة للانقلاب على القيادة الإخوانية المعتمدة واحتلت مجموعة من أنصارهم المركز العام للإخوان وذهبت مجموعة أخرى إلى الهضيبي في منزله لتجبره على تقديم استقالته من منصب المرشد العام، وأن هؤلاء القادة لم يلتزموا بقرار الجماعة بفصل قادة النظام الخاص وأقدموا على هذه المحاولة الانقلابية، متمردين على قرارات الجماعة التي ينبغي أن يطيعها الجميع، ولا مانع مع سرد هذه الرواية أن يتم لمز الأربعة بأن من بينهم من كان يطمع في منصب المرشد العام وأن بعضهم ربما كان متواطئًا بقصد أو بغير قصد مع جمال عبد الناصر ورجال يوليو الذين كانوا يتربصون بالجماعة حينها ويتعمدون زرع الشقاق في صفوفها - على حد وصف الإخوان. 
لا يبرح أفراد التنظيم منذ ذلك الحين تلك الرواية ولا يحاولون الوقوف على الشاطئ الآخر والنظر من الزاوية المقابلة، ليعرفوا لماذا أراد هؤلاء الأربعة الإطاحة بالهضيبي على هذا النحو، ولماذا لم يذعنوا لقرار مكتب الإرشاد عندما فصل قيادات النظام الخاص؛ لقد أصدر مكتب الإرشاد ذات يوم قرارًا مفاجئًا بفصل قيادات النظام الخاص من عضوية الجماعة ورفض إبداء الأسباب حتى لأعضاء الهيئة التأسيسية (مجلس الشورى العام للجماعة) المنوط بها رسم سياسات التنظيم ووضع خططه الاستراتيجية وانتخاب المرشد ومكتب الإرشاد، الأمر الذي أثار حفيظة هؤلاء القادة الأربعة ومن معهم واعتبروه استبدادًا بالرأي وخروجًا على قواعد المؤسسية، لا سيما وأن قادة النظام الخاص في ذلك الوقت كانوا يتمتعون بسمعة حسنة لدى الإخوان وهم أقدم في العمل التنظيمي من الهضيبي نفسه الذي رآه بعض الإخوان طارئا على الجماعة وغريبًا عنها، ما أثار الشكوك من تصرفه بفصل قادة يُعدّون تاريخيًا من مؤسسي الإخوان.
 لا أسوق هنا هذه الواقعة لأنتصر لطرف على حساب طرف في قضية واراها التراب وصارت وأصحابها في ذمة التاريخ، ولكني أدلل بها - كنموذج يتعدد وما يزال يتكرر - على أن اعتماد الرواية الرسمية داخل التنظيم وغض الطرف عن الروايات المضادة يؤدي حتمًا إلى ضياع الحقيقة وتجريم وجهة نظر كان يمكن أن تكون معتبرة إذا ما نظر إليها إنسان التنظيم بذهنية مفتوحة جنبًا إلى جنب مع الرواية الرسمية دون أن يتقوقع داخل الأخيرة وحدها.
إن هذا النوع من التنظيمات المغلقة يفرض على أفراده أدبيات تخالف المنطق، وقد تخالف تعاليم دينية تزعم هذه التنظيمات أنها تأسست لتطبيقها.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

لمن ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

  • ظهر

    11:53 ص
  • فجر

    05:19

  • شروق

    06:48

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى