• الأربعاء 18 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر07:25 ص
بحث متقدم

كردستان .. استفتاء النار !

مقالات

أخبار متعلقة

تشهد المنطقة العربية أزمة عنيفة جديدة قد تترتب عليها نتائج خطيرة، وهي توجه إقليم كردستان لإجراء استفتاء على الانفصال التام عن العراق، وتأسيس دولة مستقلة، ولو تحققت، ستكون الدولة الكردية الأولى في تاريخ العرب والمسلمين.
هذا الأمر ليس بسيطا، بل هو قضية شديدة التعقيد، ومصدر لنيران هائلة، وإذا لم يظهر حل سحري خلال الساعات القادمة يجعل الإدارة السياسية للإقليم توقف ما يجري فإن الأيام التالية بعد 25 سبتمبر موعد الاستفتاء ستكون حبلى بما قد لا يكون متوقعا.
مشكلة الاستفتاء أن آثاره لا تهدد وحدة العراق فقط، بل تمتد لثلاث دول مجاورة يتواجد فيها أكراد ولديهم نزوعا انفصاليا أيضا، وهي تركيا وإيران وسوريا، إقامة وطن كردي شمال العراق له حدود وعلم ونشيد وتبادل بعثات دبلوماسية مع العالم سيعني إثارة حماسة ورغبة المكون الكردي في الدول الثلاث للضغط بكل السبل إما للانفصال وتأسيس أوطانهم المستقلة، أو التلاحم مع إخوانهم في الدولة الجديدة والانضمام إليها في دولة كردية موسعة عدد سكانها يبلغ 40 مليون نسمة، وفي كلتا الحالتين فإن وحدة التراب الوطني للدول الثلاث ستكون مهددة، ولهذا تقاوم الاستفتاء بشدة، وتسعى لمنعه خصوصا تركيا وإيران، أما سوريا فإن نظامها منشغل بحربه، وتحصين مناطقه، ويسعى لزيادة أراضيه حتى تكون كفته أرجح أمام المعارضة في مفاوضات جنيف وأستانا.
 وعمليا فإن الحرب الأهلية العالمية في سوريا منحت أكرادها فرصة تاريخية لتشكيل ملامح كيانهم الذاتي، ورسم حدوده على الأرض، والتصرف كمنطقة مستقلة تخضع لإدارة ذاتية مثلما فعل أكراد العراق، وقد صارت لهم قوات مسلحة تشبه جيشا نظاميا، والأمريكان يدعمونهم عسكريا ويصّدرونهم لمحاربة داعش في الرقة ودير الزور وما حولهما ووضع أياديهم على تلك الأراضي لتوسيع مساحة نفوذهم، وقد أجروا الجمعة انتخابات محلية خاصة بهم، وكل هذه التطورات تزعج تركيا وتثير مخاوف هائلة لديها من الكيان الذي يؤسسه أكراد سوريا ويتجاور مع مناطق الأكراد لديها.
الأكراد في تركيا هم الأكبر عددا ضمن مكوناتهم في البلدان الأخرى، ولديهم تنظيم مسلح مصنف في خانة الإرهاب "حزب العمال الكردستاني" يحارب الدولة التركية، ويشكل خطرا على الاستقرار والسلام الاجتماعي، وتتعقب أنقرة عناصره في المناطق التي يتحصن فيها شمال العراق، وسوريا، ووجود حواضن له يمثل خطورة كبرى على وحدة إقليم تركيا، والصراع الدموي قديم، ولما جاء حزب العدالة والتنمية للحكم منح الأكراد حقوقا كانوا محرومين منها طويلا، ولذلك توقف الحزب عن العنف بمباركة من زعيمه المسجون عبدالله أوجلان، ثم للأسف سقطت التفاهمات السياسية، وعاد الحزب لنشاطه العسكري التخريبي.
أكراد العراق نشأ لهم نوع من الاستقلال الذاتي بدعم من أمريكا وبريطانيا بعد طرد صدام من الكويت عام 1991 لحمايتهم من قمع النظام حيث استثمروا خروج العراق مهزوما وضعيفا من حرب الخليج الأولى للانتفاضة ضده، وقد تم تحديد خطوط عرض شمالية وجنوبية تمنع الطيران العراقي من تجاوزها لحماية الأكراد في الشمال، ومناطق يقطنها شيعة في الجنوب، ومنذئذ والأكراد يتمتعون بحماية دولية، ويبنون كيانهم المستقل وتكرست استقلاليتهم، وصاروا دولة قوية داخل الدولة العراقية الضعيفة بموجب الدستور العراقي الجديد بعد احتلاله.
 نزعة الاستقلال ليست حديثة، ولا هي مفاجئة، معروف أنهم يثّبتون كيانهم المستقل المنفصل سياسيا وعسكريا واقتصاديا عن الدولة المركزية، ورئيس الإقليم مسعود البرزاني يتعامل كند لقادة العراق، ورغم أن ولايته الرئاسية انتهت منذ عامين، لكنه يجلس على الكرسي بحكم الأمر الواقع مستبدا بالسلطة، وممسكا وعائلته بكل مفاصلها في يديه، ومعه عشيرته وحلفائه مثل أي حاكم مستبد آخر.
وقد حول نفسه إلى الرقم الصعب في الإقليم، وفي أزمة الاستفتاء فإن النداءات الدولية تتوالى عليه بالتجاوب مع مطالب تأجيل الاستفتاء، ومواقف مختلف الدول تتواصل ضد الاستفتاء، بجانب رفض وضغوط بغداد، ودول الجوار، والأمم المتحدة لخطوة تفتح المنطقة على أبواب مجهول كبير، لكنه يصر على فرض شروطه بعدم التراجع عن الاستفتاء، يقول إنه يمكن تأجيله لبعض الوقت، والحصول على ضمانات دولية بذلك.
برزاني والقوى السياسية والنخب الساعية للانفصال نجحت في تجييش الشعور الوطني لدى الأكراد بحلم دولتهم المستقلة الذي اقترب، واستدعاء حنين التاريخ، ووجدان القومية والعرق والهوية الخاصة، والخلاص من شراكة وطنية مع مكونات عراقية أخرى، وتطلعات المستقبل، ولهذا لا يريد غالبية الأكراد التراجع عن موعد الاستفتاء، والحشد الذي خطب فيه برزاني كان كاشفا للرغبة في الاستغناء عن العراق الموحد حتى لو أدى ذلك إلى مزيد من التقسيم والاضعاف لدولة أساسية في الخريطة العربية والعالم.
وفي سبيل تخفيف الضغوط الدولية عليه يلقي بكرة الاستفتاء في ملعب مواطنيه عندما يقول لهم : "الاستفتاء خرج من يدي، ويد الأحزاب، وأصبح بيدكم"، ويبدو أنه حسم أمره، وسد أذنيه عن أي مبادرات حل لذلك يؤكد : " إننا مستعدون لحوار جدي، وبعقلية متفتحة مع بغداد، ولكن بعد 25 سبتمبر، لأن الوقت فات".
مؤسف حقا أن تكون إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تدعم بشكل صريح وجود دولة كردية مستقلة، هذا ليس في صالح هدف الانفصال، وتأكيد بأن الكيان الصهيوني سيظل "العدو" الأول للعرب لو كانوا يعقلون.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • ظهر

    11:45 ص
  • فجر

    04:42

  • شروق

    06:05

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:58

  • مغرب

    17:25

  • عشاء

    18:55

من الى