• الإثنين 11 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر07:13 م
بحث متقدم

محمد يوسف عدس كما عرفته

مقالات

أخبار متعلقة

لن أبدأ مؤرخا أحصي مواقع أستاذنا في الوسط العلمي وأعدد مؤلفاته وما سطره قلمه من مقالات، فذلك شأن يمكن لمن يريد أن يحصل عليه بيسر وسهولة أن يجده في وسائل التواصل الاجتماعي أو على صفحات جوجل.  
ولكن يعنيني هنا مواقفه كمثقف ومفكر عاش وفيا لمبادئه، رافضا للخيانة في كل صورها.
رسالة الأكاديمي المرموق الأديب والمفكر الدكتور محمد يوسف عدس كانت تلفت أبصارنا وبصائرنا لفارق جوهري بين الكتَّاب والكتَبَة..  
فالكتبة هم كل من يتخلى عن مناصرة الحق والوقوف بجانبه حرصا على مصلحة, أو جبنا عن التحدي, أو عجزا عن مواجهة. .
الكتبة هم من يعرفون أن تكاليف الحق باهظة، وأن تأييده ومناصرته ليست مسألة هينة، ولكنها مكلفة جدا، ومن ثم فهم لا يريدون أن يضحوا بالمال والموقع والجاه والشهرة والحضور الدائم في القنوات الفضائية.
 فقيدنا كان يعرف أمراض أمتنا، كان رحمه الله يعرف أنها تعاني من الشعور بفقدان المصداقية والثقة ، كما تعاني من الشعور بالغدر والإحباط ، والمسلم العادي  كان في حاجة إلي من يدافع عنه، ويتبنى قضاياه وحقوقه الفكرية والثقافية والاجتماعية في مواجهة سلطات غاشمة تسيطر على عالمنا العربي كله وتجتاح كل يوم حقوقه وتهدر كل يوم كرامته، 
استشعر فقيدنا أن المواطن المسلم في حاجة إلى قلم يفضح من اغتصب حقوقه وأهدر كرامته ويشهر قلمه لاسترداد حقوق المواطن الضائعة، ولا ينحاز إلى السلطة ولا يبرر تصرفاتها ولا  يهرب من المواجهة ويتجه إلى ساحة الضعيف المسلوب والمقهور ليضمد جراحه ولم يكن لتلك المهمة غير الدكتور محمد يوسف عدس .
كان المسلم في حاجة إلي من يذكره بالمبادئ والقيم واحتياجات الإنسان الروحية والأخلاقية.
كان المسلم في حاجة لرجل من أهل العلم والفكر والثقافة الأصلاء الذين يبشرون بالأمل ويرفعون من همة الإنسان ويحولون المعوقات والمثبطات إلى وقود وطاقة للحياة والحركة ويجعلون منها وسيلة لتراكم الوعي لدى الناس تمهيدا لتحرير إرادة البشر. ولم يكن لتلك المهمة غير الكريم الراحل.    


الكتبة عادة يملكون أدوات الكتابة فقط، ومن ثم فلهم عقول بلا فكر، وقلوب بلا حب، تملى عليهم معاني الحروف قبل رسمها, وتملى عليهم بنات الأفكار قبل صياغتها, وهم من سلموا دفة  أقلامهم وباختيارهم لمن هم له خاضعون ولجود عطائه يتوسلون ، أقلامهم  تباع لمن يدفع أكثر، ولذلك تتحول الثقافة في كتاباتهم إلى سخافة،  وتتحول المعرفة إلى سوق وتاجر وسمسار ، ومن ثم فهم يأكلون على كل مائدة،  وينوحون في كل مأتم ، ويرقصون في كل فرح
أما الكاتب الأصيل فليس لحروف كلماته ثمن؛ لأنها حروف حرة وليس للحر ثمن في سوق العبيد والنخاسة, الحر لا تغريه "جوائز" وهمية ، و لا ألقاب تزوير وخداع،  ولا شهرة في عالم الفضاء الافتراضي . وأستاذنا كان في هذا الميدان سيدا وفارسا وشجاعا إلى حد البطولة. .
قلمه كان صادعا بالحق دوما، وظل صادقا في تصوير الحالة النفسية التى يعيشها المواطن العربى في منطقتنا، حيال ما يحيط به من أوضاع، وأوجاع، وهى حالة تتردد بين الشعور باليأس والشعور بالغدر، ووسط هذا الإحباط كانت كلماته تحمل بشائر الأمل. .
أذِّكر هنا بما كان ينهجه أستاذنا في فكره وثقافته وكتاباته، فقد كان منهجه - رحمة الله عليه-  أن الكاتب عندما ينحاز للقوة الغاشمة في مواجهة المواطن الضعيف فهو يرتكب جناية كبرى تعمل على تقوية الأقوى وإضعاف الأضعف ، ومن ثم فإن جنايته ليست على نفسه فقط، بل على كل الذين يقرءون له ويتأثرون به ويثقون فيه، ومن ثم يسقط من عين الله أولا، ثم يُذهب الله بهاءَ كلماته من عقول الخلائق، ولو كان يملك عبقرية العقاد ومواهب شكسبير.
كان يؤمن أن خطيئة الكاتب وجنايته الأكبر لا تنحصر فقط في خداع القارئ والمتلقي للكلمة مقروءة كانت أو مسموعة ومرئية، وإنما تتعدى ذلك لتخلق أنواعا من القناعات الزائفة، تحشد جماهير الناس في جانب الباطل، وتولد قناعات سلبية ترضى بالواقع المر وتقبل الخنوع والخضوع والذل، وتجعل من عملية التغيير والنهضة أمرا مستحيل المنال، ومن ثم تخرج جناية الكاتب من نطاقها الفردى لتصبح جناية اجتماعية وأخلاقية في حق الأمة بكاملها.
لذلك اختار أستاذنا وأصر أن يكون في طليعة الرواد الكبار فكان بطلا في المهمة الأصعب والقمة ذات الشموخ.  


واليوم نواري في التراب جسده الطاهر، ونؤمن أن الجسد قد مات ، لكن عقل الرجل لم يمت، مات الجسد، لكن الروح العاشقة للحق لا زالت حية وعفية، مات الجسد،  لكن الهمة انتشرت بين شباب شريف ورجال يبحثون عن الحق وعشاق للكرامة يأخذون منها ويقتدون بها ويدافعون عنها، 
وهكذا تبقى أثار العظمة في العظماء بعد موتهم، ولذلك يخافهم الطغاة ويخشاهم المستبدون حتى بعد أن غشيهم الموت وغطاهم التراب وأضحوا تحت الثرى ، لكن مبادئهم تتجاوز الزهراء وتهزأ بالثرى وتبقي تلك المبادئ حية بين الأجيال وإن ماتت أجساد أصحابها  قال الشاعر : 
الناس صنفان: موتي في حايتهم .................وآخرون ببطن الأرض أحياء 


إنا لله وإنا إليه راجعون، نقولها لا لتجفف الدمع الأبي، وإنما إرضاء لله الذي يتقبل هذه النفس المطمئنة إلى فضله وعدله ورضاه، ثم نقولها لترطب حرقة الدمع الأبي من حرمان الدنيا حين تحرم من عقل يفكر وقلب يذكر وبصيرة تنقل ما لديها من أنوار الحق إلى الخلق.  
مداد كلمات الرجل لم يزل يتدفق حتى بعد الوفاة، وقد كان ولا يزال أقوى من كل وسائل القمع لدى كل الطغيان عبر عصور حياته التي بلغت ثمانين عاما.
كان علما من أعلام الإسلام فكرا وحضارة حيث كان.  
وكان نموذجا للوعي بحركة الصراع الحضاري والأيديولوجي بين الشرق والغرب، وكان مستوعبا وكاشفا لأدوات الاستعمار الغربي ووسائله في غبن الشعوب وظلمها 
لم يمتهن التخمين والحدث فيما يقوله أو يشير به إلي المستقبل، وإنما كان ذا بصيرة بالمآلات واحتمالاتها وردود أفعال الغير تجاه الأحداث. 
كان مصرا أن يكون بين الكتاب ورافضا بشدة أن يكون بين الكتبة، وبرغم ارتفاع التكلفة بين القمة والسفح، فقد اختار أن يكون في القمة، كانت القمة قيمة في نظره قبل أن تكون مكانة، بينما كان يرى السفح مذلة ومهانة ،ولو كان على مقربة من السلطان ببريق ذهبه وإغراء سلطاته، ومن ثم فقد كان الفرق واضحا في نظره بين الكتاب والكتبة ، فالكاتب يمنح القارئ عصارة عقله ويقدم له في كل مقال فكرا يحفز العقل على التفكير،  ويدفع الإرادة للتحرر، كما يسوق الهمة سوقا للعمل والنشاط لتأخذ مكانها في الصدارة لأداء المهمات . 
الكاتب عاشق لوطنه وفيُ لشعبه وقرائه، محب للناس، وحين يوجه بصره للحاكم بالنقد والتوجيه لا يدير ظهره للفقراء والمظلومين. 
كان رحمه الله لا يكتب تزلفا ونفاقا ولا يداري أو يواري،  إنما يوجه قلمه لمكمن الداء والعلة " للاستبداد والطغيان والعدوان على الحقوق والحريات، فيهدم ولو بالتدرج والتقسيط أركان الباطل ويكشف ويفضح البثور والنتوءات التي يسببها الطغيان والقهر في جسد المجتمع وحياة الشعوب ، وينبه إلى خطورة الطغيان والاستبداد في التمادى،
كما يحذر من تماهي صغار الطغاة مع الطاغية الأكبر ويحفز إرادة الشعوب لتتحرر من الخوف ولتأخذ زمام المبادرة في لجم الطاغية وإبطال أدوات القمع لديه لتسلك طريقها في نيل حقوقها واستقلال إرادتها.       
هو من الكتاب وليس من الكتبة، فالكتبة خدم عند السلطان لا يتصرفون بإرادتهم، وإنما يتلقون الأوامر والتوجيهات فيكتبون تبريرا وتحويرا وتلبيسا على الشعوب وتعمية لهم عن الحقائق والكوارث.   
نعم الموت للجسد، لكن العقل والروح والهمة تنتشر كما ينتشر أريج الأزهار في كل اتجاه وحتى عكس الرياح.
المفكر والأديب المبدع محمد يوسف عدس سخر قلمه للتأكيد على حق أمته في الحضور الحضاري وحق شعوبها في التحرر والعدالة والاستقلال. 
نقدم خالص العزاء لكل المسلمين في استراليا وجميع العالم الإسلامي وبخاصة أسرة الفقيد الكريم ولا نقول إلا ما تعلمناه من ديننا في مثل هذا الحدث الجلل: لله ما أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بمقدار " إنا لله وإنا إليه راجعون "
فاللهم ربنا قد استودعناك عبدك الشريف الحر محمد يوسف عدس، وقد كان يحرس ثغرا من ثغور دينك ، وأنت تعلم أننا في حاجة إليه، لكنك قد اخترته ليكون في جوارك الأكرم، وهو الان محتاج إلى فضلك وكرمك، فأكرم نزله وتقبله في الصالحين،  ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ،  واجعله يا ربنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر


مفتي عام القارة الأسترالية 
أ.د إبراهيم أبو محمد 


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

لمن ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

  • فجر

    05:20 ص
  • فجر

    05:19

  • شروق

    06:48

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى