• السبت 21 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر11:01 م
بحث متقدم

أ. هيكل وحروب مصر.. مجده أم مجد الوطن

مقالات

أخبار متعلقة

من أعظم ما تقدمه الثقافة الإسلامية والتربية الإسلامية للإنسان هى صفة ومفهوم الصدق وأخلاقه.. وسنقرأ دائمًا فى النص القرآنى (المصدر الأول للمفاهيم الإسلامية) عن الصدق والكذب؛ ما يجعل المرء يوقن أن الصدق هو حقيقة الحقائق فى الإيمان وهو جوهر الأمور كلها فى الأخلاق وهو فى نهاية الأمر ما ستخلص إليه حياة الإنسان المؤمن حين تنتهي حياته وعمره وأجله المعدود إذ يقول الله تعالى (قَالَ اللَّهُ هَ?ذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ/ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ولعل الآية التالية التى توضح أن لله ملك السموات والأرض وما فيهن لعلها تأخذ بيد الإنسان الذى يطلب ويريد الاختيار العقلاني والبديهي فيما يطلب ويريد.. الرسول صلى الله عليه وسلم نفى نفيًا قاطعًا أن يكون المؤمن (كذابًا) قد يكون كذا وكذا من الصفات السيئة لكنه لا يمكن أن يكون أبدًا (كذابًا)، وموضوع الصدق والكذب ليس فقط فى الأخبار والحكايات وفلان قال ولم يقل، ولكنه فى خبيئة النفوس ومكنونات الصدور التى لا يعلمها إلا الله.. والمعضلة هنا أن من يكذب فى هذه الحالة إنما هو يكذب على الله_ وأتحدث هنا عن المؤمن ولا شأن لى بغيره _ والمسألة هنا مرعبة ومرعبة جدًا إذ يكفى أن نقرأ الآية الكريمة (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ).                                                              أقول هذا وأجد نفسى أقف كثيرًا كثيرًا عند معادلة مرعبة وهى معادلة (الصدق والعمل العام) وبنفس المعنى (الكذب والعمل العام) وقبل أن أدخل فى الموضوع الأساسى للمقال أشير إلى أنى طالعت سيرًا ذاتية كثيرة، ولعدد كبير ممن شاركوا فى الحياة العامة التى تكون فيها الشهرة والنفوذ والسيطرة والنجومية والعلو فى الأرض، وكل هذه الأحوال الفانية حاضرة بقوة كأحد أشرس المغريات التى يواجهها الإنسان فى آرائه واختياراته ومواقف حياته.. العلامة د. عبد الوهاب المسيرى، حدثنا كثيرًا عن الشهرة والمال.. الذئاب التى تطارد الإنسان أو يطاردها الإنسان.
ستكون الكارثة هنا مروعة وإلى الحدود القصوى من الترويع حين توضع معادلة (الصدق والعمل العام) على لوحة التيارات الدينية: الاجتماعية والسياسية لأنهم سيخترقون وعى البسطاء بسهولة شديدة فيقولون للناس دينا وهم يطلبون دنيا.. ويالهول الكارثة عليهم وعلى الناس.. وإن آجلًا أو عاجلًا سيكتشف الناس ما كان خافيًا (ومهما تكنْ عند امرئٍ من خليقة** وإن خَالَها تَخْفي على الناس تُعلَم) وقتها ستكون القارعة الكاسرة الصادمة القاتلة المميتة.
ما علاقة الأستاذ هيكل بكل هذا الذى سبق؟ وأصلًا الأستاذ هيكل لم تكن مرجعيته فى الحياة مرجعية دينية؟ وكان معروفًا للخاصة والعامة أن مرجعية الأستاذ هيكل هى (طموح هيكل).. وكان هو نفسه يردد كثيرًا (طموحى فى السحاب).. الحقيقة أنه ليست هناك علاقة عضوية أو علاقة مباشرة.. بإمكانك تقول ظلال علاقة أو ظلال صلة؛ لأنه للأسف الشديد سنجد أن على كل المحكات والمحطات الكبرى فى تاريخ الوطن (وليس هناك ما هو أكبر من الحروب فى تاريخ الأوطان) سيكون مجد أ. هيكل قبل مجد الوطن وسيكشف لنا ذلك ليس التاريخ فقط ولكنه أ. هيكل نفسه.. ألم أقل لكم على لسان عمنا زهير بن أبى سلمى (..وإن خالها تخفى على الناس تعلم) وعلى فكره ودون خروج عن الموضوع كان عمر بن الخطاب يحفظ كل أشعاره وكان يحبه كثيرًا؛ لأن معظم أشعاره كانت تمجد الصدق والمروءة.. سيدنا عمر رضى الله عنه كان (أكرم من أن يَخدع وأعقل من أن يُخدع) وكان يمقت التلون والمداهنة واللف والدوران والخداع.
الحاصل أن أ. هيكل كان له دور كبير ومشاركة عريضة فى حروب مصر الحديثة لن نتحدث عن 1948 أو 1956 وقتها لم يكن الرجل في بؤرة الأحداث كان صحفيًا يرى ويكتب لكن الأمر اختلف كثيرًا فى 1967 و1973 كان فى بؤرة البؤرة نفسها فغير مشاركاته الفعلية فى شأن الحربين إلى جوار البكباشى واليوزباشى.. فهو نفسه كتب وقال وكانت كتاباته قبلها وأثناءها وبعدها مما يشغل الناس.. نخبة الناس وعامة الناس.
كتب بعد الهزيمة مباشرة مقالًا بعنوان (أقصى درجات العنف) وقال: (ماذا حدث تماماً؟ وما هو معنى العاصفة العاتية التى هبت على العالم العربى ابتداءً من اليوم الخامس من يونيو سنة 1967 ثم توقفت فى اليوم العاشر من هذا الشهر بعد أن تركت على أجزاء عديدة من وطن الأمة العربية حطامًا وركامًا وأشلاءً كثيرة؟ كيف؟.. ولماذا؟ وإلى أين بعد الآن؟ نقول وبالحق (تذكر جيدًا أنه يقول بالحق) إن ما رأيناه خلال هذه الأيام الخمسة الرهيبة هو أقصى درجات العنف فى الصدام الذى احتدم بين الأمة العربية وبين حكومة الولايات المتحدة الأمريكية والمصالح التى تمثلها وسياسات السيطرة والقوة التى تمارسها هذا هو الموضوع نفسه وأى شىء غيره ظواهر عارضة تعبر عن الشكل الخارجى للحوادث ولا تعبر عن صلب الحقيقة فيه عندما اتخذ القرار بالتصاعد بالعنف إلى أقصى درجاته كان هدف العملية الأولى فى اتجاه سوريا، وفى ذلك الوقت بدأ التفكير فى غزو إسرائيلى يندفع نحو سوريا.
اكتشفت فى بداية شهر مايو حجم الحشود المستعدة لعملية غزو سوريا اكتشفتها أجهزة المخابرات السورية، واكتشفتها جهات مصرية متعددة واكتشفها أيضًا الاتحاد السوفيتى وأكدها للوفد البرلمانى المصرى الذى كان يزور موسكو فى مطلع شهر يونيو على نحو ما ذكر الرئيس جمال عبد الناصر فى خطابه الأخير إلى الأمة، وهو يشرح تطورات الأزمة ونتائجها.. وبهذا الاكتشاف فإن مصر قررت أن تتحرك فى بداية الثلث الأخير من شهر مايو - وعلى أثر تطورات الموقف فى الشرق الأوسط - جرت تعديلات أساسية فى التدبير الأمريكى - الإسرائيلى وكان أهم هذه التعديلات أن اتجاه العملية الأولى قد تغير من ناحية سوريا إلى ناحية مصر).                                                      
الأستاذ هيكل يكذب.. ولا يقول صدقًا.. لم يكن هناك غزو لسوريا ولا غيره كان هناك على رأس الجيش قائد عسكرى بوهيمى وفاشل.. وتفاصيل كثيرة ليست موضوعنا..                                                                   الحاصل أن أ. هيكل هنا كان يبحث عن مجده إلى جوار الحاكم لا مجد الوطن.. فكذب ما شاء له من أكاذيب.      
الدكتور يوحاى سيلع، المتخصص بشئون الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب، والأستاذ الزائر بأوكسفورد وهارفارد وصاحب كتاب (49 عامًا على هزيمة العرب) يقول فى كتابه: الدروس التى كان ينبغى على هيكل أن يتعلمها من أحداث حرب 1948 التى شاهدها بنفسه نسيها تمامًا بعد ذلك، وهو يقوم بتشكيل الرأى العام العربى، وإعداده للحرب ضد إسرائيل فى السنوات التى سبقت حرب يونيو، ويستشهد بمقتطفات من مقالات هيكل التى كتبها قبل يونيو 1967 لإظهار كيف تطورت فكرة أن الحرب ضد إسرائيل ليست ممكنة وحسب، وإنما هى ضرورة يحتمها الواقع، وأنه لا يقل عن ذلك أهمية، أن العالم العربى بقيادة عبد الناصر سيهزم إسرائيل فى نهاية الأمر.. كتابات تضمنت تضليلًا كبيرًا للرأى العام العربى_هكذا قال سيلع_ حين تعمد بعد ذلك خلال الخمسينيات والستينيات أن يعمق الشعور بالاستهتار لدى الشارع العربى بقدرات إسرائيل فى حين كان يتعمد التضخيم من قدرات مصر وقواتها ورئيسها جمال عبد الناصر حتى أنه وصف التورط المصرى فى اليمن بأنه فرصة جيدة للتدريب العسكرى وإفراز قادة جدد للعسكرية المصرية التى بلغ وصفها بأنها خارقة مع تشديد على أن النصر لن يتحقق للعرب؛ رغم كل ذلك إلا تحت قيادة عبد الناصر.. بل إن هيكل استغرق فى الأمر لدرجة جعلت الناس وهو معهم أيضًا يتمنون اندلاع الحرب حتى أنه كتب فى 2 يونيو 1967 يقول: أيًا ما سيكون ودون محاولة توقع الأحداث قبل وقوعها فلا شك أن إسرائيل تقف على حافة الانهيار سواء من الداخل أو الخارج).. هذا ما كتبه الأستاذ هيكل قبل وأثناء وبعد أم الهزائم لم يكن أ. هيكل كما وصفته التايمز البريطانية أكثر من (صوت سيده).
سيكتب فى 12/3/1971 مقالًا أقل ما يقال فيه إنه مريب بعنوان (تحية للرجال) وهو مقال مشهور اعتبره قادة القوات المسلحة وقتها تعجيزًا وإحباطًا وزرعًا لليأس فى قلوب المقاتلين والجيش العظيم، وما كان قد بدأه فخر العسكرية المصرية فى العصر الحديث عبد المنعم رياض بعد (ماخورة 1967) من إعادة بناء حقيقي لجيش حقيقي وكان فى هذا المقال أيضًا كما قالت التايمز (صوت سيده) سيده هذه المرة السادات الذى طوّر ما كتبه هيكل فى هذا المقال إلى مقولة أقبح وأشنع (99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا) فى 28/10/1973 سيكتب قصة "التسلل - الثغرة"، وكان أيضًا مجرد صوت لسيده الذي خالف قادة الحرب الكبار، وضيع عليهم الوقت الهام فى تصفية الثغرة، كما قال المشير أبو غزالة.
الدكتور سيار الجميل، أستاذ التاريخ بجامعة الموصل كتب عام 1999 كتابًا هامًا عنونه (تفكيك هيكل) سيتبعه بكتاب آخر (بقايا هيكل) عام 2008م  يناقش ويفند كل ما يعتمد عليه هيكل في وثائقه ومستنداته وبعض مقالاته وتصريحاته يقول (هيكل بارع في اللف والدوران.. يستطيع أن يجعل من اللون الأبيض أسود ومن الأسود أبيض.. لكنه يفر من الميدان حين يرى أن هناك من سيجادله أو يعلمه أسلوب الكشف عن الحقيقة.. ويضيف هيكل يلعب دورًا خطيرًا عندما يتلقف الناس كتبه أو يجلسون للاستماع إلى حكاياه.. من دون أن ينبههم أحد إلى طبيعة ما يكتبه أو ما يقول). 
بالفعل اختزل الأستاذ هيكل فى سيرته جانبًا كبيرًا من مأساة مصر والعرب.. والتى تتبدى بوضوح لئيم فى معادلة الصدق والكذب.. مجدى الشخصى أم مجد الوطن.
والصدق من كرم الطباع وطالما** جاء الكذوب بخجلة ووجوم. 
لا يا عمنا الشاعر إنهم يأتون الآن بلا خجل ولا وجوم.. يأتون بكل البجاحة والقبح.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • فجر

    04:44 ص
  • فجر

    04:44

  • شروق

    06:07

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:56

  • مغرب

    17:21

  • عشاء

    18:51

من الى