• الأربعاء 18 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر01:59 ص
بحث متقدم

العاصمة الجديدة والأولويات المعقدة

مقالات

أخبار متعلقة

بناء عاصمة جديدة أفضل تخطيطا وأحدث في مبانيها من القاهرة العتيقة، يصعب انتقاده إلا من جانب المعارضة التي تمارس حقها المشروع في النقد حتى لو جافاها الصواب.
الراحل السادات فكر في عاصمة جديدة واتجه مخططوه إلى موقع "مدينة السادات" الحالية، لكنه لم يكن اختيارا موفقا لبعده عن "القاهرة" بالإضافة إلى أن الامتداد الأفقي الطويل نسبيا بينهما لا يسمح بتعميره لتكونان مدينة واحدة في المستقبل، على عكس العاصمة الإدارية، فهي في منطقة صحراوية شبه موصولة بالعاصمة العتيقة عبر مدن جديدة أقيمت في السابق كالقاهرة الجديدة والرحاب ومدينتي وغيرها، أي أنها ليست في الربع الخالي.
في المستقبل يمكنها الامتداد إلى مشارف السويس لتشكل حضارة عمرانية تشق صحراء لم يكن لها حتى الماضي القريب فائدة ترجى.
تلافى المخططون أخطاء السادات، وللأمانة تميز عنه السيسي بالحسم في هذا الموضوع، ففرض على حكومته أن تنفذ هذا المشروع رغم ضيق ذات اليد وأن هناك أولويات تستحق بالفعل البدء بها، بينما زوغت حكومة السادات منه وأماتت المشروع لعدم رغبة وزرائها في الخروج من القاهرة والابتعاد عن بيوتهم.
الأمر اختلف أيضا أن معظم أعضاء الحكومة الحالية لا يسكنون القاهرة العتيقة بل يقيمون في القاهرة الجديدة على مرمى حجر من العاصمة الإدارية ومن الحي الذي ستشيد فيه مقار مؤسسات الحكم، وسيكون سهلا عليهم الانتقال إليها عن الانتقال إلى وسط العاصمة القديمة.
المنتقدون رأوا أن البدء بفندق اسمه "الماسة" فزورة تستوجب الحل لأن العاصمة لم يأتها سياح بعد وربما لا يأتون إليها إلا قليلا في المستقبل، بالإضافة إلى التكلفة العالية للنزول في فنادق من هذه الدرجة الراقية.
الحقيقة أن انشاء عاصمة جديدة ليس الهدف منه إنشاء أحياء صناعية وورش وما شابه. العواصم الجديدة تنشأ كرئة للدولة أو جهاز تنفسي كامل، بينما تظل العواصم التقليدية قائمة ويطلق عليها عواصم اقتصادية مثل كراتشي في باكستان التي تقابلها "إسلام آباد" الأنيقة، وأستانة عاصمة كازاخستان منذ عام 1998 والتي أنشأها الرئيس سلطان نزاييف وأصبحت حاليا مقصدا لسياحة المؤتمرات بسبب نظافتها وجمال عمرانها وشوراعها ومستوى فنادقها العالي، وعلى فكرة اسمها ترجمته "العاصمة" مثل "العاصمة الإدارية" في مصر، أي يمكن الابقاء على الاسم الحالي مع حذف "الإدارية" حتى لا يكون الاسم طويلا.
زرت العاصمة القديمة لكازاخستان "ألما آتا" التي تعني أرض التفاح في تسعينيات القرن الماضي. فنادق سيئة وشوارع غير مريحة ومبان قديمة، لكنها تظل عاصمة اقتصادية، فهي أهم المدن الكازاخية التجارية والاقتصادية والمالية، ولم يمنع انتقال إدارة الحكم إلى عاصمة جديدة، من اختيارها عام 2015 عاصمة للثقافة الإسلامية لدورها التاريخي في آسيا الوسطى. 
يبدو أن تخطيط العاصمة الإدارية استلهم تجربة بناء دبي وقام بمحاكاتها، فهي رمز للثروة والفخامة والتطور والجمال المعماري في المنطقة، وبين الموقعين تشابه كبير من حيث إن البناء يتم على رمال وصحراء. كما تتميز دبي بفنادقها الراقية ومراكز التسوق الواسعة وهو ما تسير عليه العاصمة الإدارية.
مشروع كهذا يستهلك المليارات في وقت تشكو فيه مصر من تردي الخدمات في مناح عديدة مثل السكك الحديدية التي قال وزير النقل قبل أيام في البرلمان إنها لم تتطور منذ عام 1950 عندما كان يستقلها 6 ملايين سنويا بينما يستقلها حاليا 350 مليون نسمة سنويا دون أي زيادة في المسافة، التطوير الوحيد الذي حصل طوال تلك العقود هو ازدواج الخطوط.
الوزير لا يجد المال لعلاج مشكلة المزلقانات التي أطلق عليها "مزلقانات الموت".  الحل هو استبدال الكباري بها، لكنها مكلفة.
هذا واحد من الأولويات فما بالك بالحاجة الضرورية والملحة إلى بناء مدارس لعلاج التكدس في الفصول ومبانيها التي توشك أن تقع على رؤوس التلاميذ، وبناء مستشفيات ومصانع لتشغيل آلاف المعطلين. والمعنى هنا أن ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع. لكن هل ينطبق هذا المثل على بناء عاصمة جديدة ومدن تستوعب الزيادة الفجة في السكان وطرق حديثة متسعة تجعل من السفر متعة وتقلل من الحوادث وتقرب المسافات بين جهات مصر؟!
المسألة هنا تحتاج إلى دقة في التوصيف والاختيار. لو انتظرنا فلن نبني أبدا مدنا جديدا وسنظل محبوسين في المساحة الضيقة التي نعيش عليها منذ عصور الفراعنة. 
أولوياتنا كثيرة ومعقدة وباهظة التكاليف ومعطلة أيضا لأي إنجاز إذا ظللنا نظر إليها وحدها. لا يجب تركها تستنزف الناس وتغلي صدورهم حنقا، ولا يجب أن نوقف عندها أنفسنا ونمتنع عن التقدم للأمام.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • فجر

    04:42 ص
  • فجر

    04:42

  • شروق

    06:05

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:58

  • مغرب

    17:25

  • عشاء

    18:55

من الى