• الإثنين 20 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر05:29 م
بحث متقدم

هل فشل النظام الجمهوري في العالم العربي ؟ (1/2)

مقالات

أخبار متعلقة

عندما قررت الدول الاستعمارية "العجوز" ـ خاصة بريطانيا وفرنسا ـ أن تغادر العالم الثالث ، ومن ضمنه العالم العربي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروجها مثقلة بالهموم والخسائر والديون والدمار الواسع ، لوحظ أنها كانت حريصة على تسليم تلك البلدان للنخب العسكرية ، بصورة أو أخرى ، وقد وقعت سلسلة انقلابات متتالية منذ الخمسينات في سوريا والعراق ومصر وليبيا والجزائر واليمن ، انتهت إلى تسلم الحكم من قبل مجموعات من النخب العسكرية الشابة ، التي أطاحت بالقوى السياسية التقليدية والتي عاشت تجارب سياسية ديمقراطية هشة في ظل الاحتلال بدون عمق شعبي أو ثقافة وطنية واسعة تحمي تلك التجربة وتحافظ عليها ، فكان يكفي أن يمتلك "الضابط" المتحمس الميكروفون الرسمي ـ الإذاعة ـ لكي يكون قد ضمن نصف طريقه إلى السلطة بلعبه على عواطف الشعب الذي تصل الأمية فيه إلى تسعين في المائة أو أكثر ، والنصف الآخر من طريقه للسلطة تؤمنه الدبابة والمدفع ، ونظرا لأن تلك النخب العسكرية الشابة جديدة وطارئة على المشهد السياسي ، ولا تملك أي خبرات قيادة مدنية أو سياسية ، وتخشى أن يتم التنكيل بها من قبل الشعب أو أي سلطات أخرى قائمة ، فقد كان أول قرارات تتخذها تلك النخب العسكرية الشابة هو إلغاء النظام السياسي السابق بكامله ، وهو في الغالب نظام ملكي ، كما كان الحال في العراق ومصر وليبيا واليمن ، وتأسيس ما يعرف بالنظام الجمهوري ، وهو نظام يمثل قطيعة كاملة مع الميراث العربي الإسلامي في إدارة الحكم ، ويستلهم صيغة غربية حديثة ، لم يكن لتاريخها أي حضور في الخبرة العربية ، مما أوقع تلك النظم "الجمهورية" في سلسلة من التخبط والاضطراب السياسي والانقلابات المتعددة الظاهرة أو المستترة ، وضعف تراكم الخبرة السياسية والمدنية في بلدانها .
الآن ، وبعد قرابة سبعين سنة من تجربة الحكم الجمهوري ، بدأت أصوات خافتة تظهر بين الحين والآخر لتتساءل عن مدى نجاح أو فشل تجربة النظم الجمهورية في العالم العربي ، خاصة مع القياس بالنظم التقليدية ، الملكية أو الأميرية ، التي مثلت امتدادا ـ بصيغة أو أخرى ـ للميراث العربي الإسلامي الذي تطورت من خلاله المجتمعات العربية على مدار التاريخ ، وقد كان ملاحظا أن النظم الجمهورية بلا استثناء ، أسست كثيرا من شعبيتها وشرعيتها وتعزيز سلاحها وعسكرة المجتمع على حساب تمدينه وتطويره على فرضية دفاعها عن "القضية الفلسطينية" وتحرير الأقصى ، فعلت ذلك في مصر عبد الناصر ومن بعده وفي سوريا حافظ الأسد ونجله وفي عراق صدام حسين ومن قبله ، وفي ليبيا القذافي ، غير أن مسار التاريخ والأحداث أثبتت أن كل ذلك كان محض متاجرة بقضية فلسطين لتثبيت أركان نظم جديدة ليس لها شرعية وتبحث عن أي سند جديد للشرعية ، خاصة وأنها لا تملك أي شرعية معروفة ، لا من توارث ملك تعارف عليه الناس ولا من إرادة شعبية حرة بانتخابات نزيهة ، فكانت "حدوتة" فلسطين ، ثم ها هو الحصاد في فلسطين كما نرى ، ضاعت الأرض والقضية تقريبا ، إلا قليلا مما حماه شبان فلسطينيون بدمهم وتضحياتهم ، ولو امتدت النظم الملكية في تلك البلدان التي استولى عليها العسكريون باسم قضية فلسطين حتى الآن ، فلم يكن هناك أي سيناريو أكثر سوءا مما حدث في عهد "الجمهوريين" .
والملاحظ أن النظم الملكية وما يشبهها "حكم الإمارة" ، نجحت في تطوير مجتمعاتها بهدوء واستثمار ثروات البلاد وتراكمها في تحقيق قدر من الرفاه لشعوبها ، وكذلك تطوير لافت للبنية الأساسية وجودة الحياة بشكل عام ، رغم ضعف النشاط السياسي أو تجميده ، كما أن كثيرا من تلك الدول حققت طفرات بالمقياس العالمي في التنمية البشرية وجودة التعليم وغير ذلك ، مثلما هو الحال في تجربة قطر والإمارات ، وبدرجة قريبة الكويت والسعودية ، ولك أن تقارن ذلك بما فعلته التجربة الجمهورية في بلد نفطي ثري للغاية مثل ليبيا ، وأذكر أن الشعب الليبي الذي كان يعوم فوق بحار من الثروات ، كان يقف في طوابير أمام المجمعات الاستهلاكية التي أنشأها نظام القذافي من أجل الحصول على دجاجة أو بعض المواد التموينية ، مثل أي بلد فقير وبائس في مجاهل أفريقيا .
والظاهرة اللافتة في النظم الجمهورية أن من يقفز منهم على كرسي السلطة ويطول به المقام يبدأ تدريجيا في الاقتراب من نموذج الحكم "الملكي" المتوارث ، وقد فعلها حافظ الأسد في سوريا عندما ورث ابنه الصغير "بشار" حكم "الجمهورية" ، وقامت النخبة العسكرية العلوية بتعديل الدستور في ربع ساعة من أجل أن يسمح لبشار بالترشح "الشكلي" للرئاسة ، لأن سنه وقتها لم يكن يسمح ، كما كان صدام حسين يعد نجليه : قصي وعدي ، لوراثة الحكم ، وكذلك كان القذافي في ليبيا عندما وزع السلطة على أبنائه : سيف والساعدي والمعتصم ، أحدهم على رأس الاقتصاد والثاني على رأس القوة العسكرية والثالث على رأس الاستخبارات ، مع الهيمنة الكاملة للأبناء على نشاطات المجتمع الإعلامية والرياضية وغيرها بصورة تامة ، وفي مصر أيضا كان مبارك يجهز نجله "جمال" من أجل أن يرث السلطة وقد مكنه بالفعل من إدارة معظم نشاطات الحكومة والحزب الحاكم ، ولعل هذا ما عجل بالإطاحة به ، خاصة وأن جمال لم يكن عسكريا ، أي أن التجارب الجمهورية نفسها ، لو ترك لها العنان لتحولت مع الوقت إلى نظم ملكية ، أو نظام مختلط أو نظام ملكي مقنع ، أو كما سماها الدكتور سعد الدين إبراهيم "الجملوكية" .... وللحديث بقية .


[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • عشاء

    06:29 م
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:31

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى