• الإثنين 20 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر07:54 ص
بحث متقدم

هل فشل النظام الجمهوري في العالم العربي ؟ (2/2)

مقالات

أخبار متعلقة

فكرة النظام الجمهوري كانت طارئة على العقل العربي الحديث والخبرة العربية والثقافة العربية والوعي السياسي العربي ، والحديث عن "الجمهور" و"الجمهورية" كان غريبا ، أي أنه لم يكن بناء على تطور فكري ومعرفي وسياسي وإنساني حقيقي داخل البناء المجتمعي العربي ، وإنما دفع النخب العسكرية الجديدة الحاكمة إليه أمران : الأول البحث عن قطيعة مع النظام السابق ـ وهو نظام ملكي عادة ـ وضمان عدم رجوعه مرة أخرى ، وكان هذا هاجسا كبيرا للعسكريين الشبان الذين حكموا ، لدرجة أنهم كانوا يلاحقون الملوك السابقين المخلوعين في مقار إقامتهم في المنفى في عواصم العالم من أجل تصفيتهم ، خوفا من ظلهم إذا بقوا أحياء ومخاطر حنين الشعوب إليهم على وقع الانتكاسات ، والأمر الآخر نزعة العسكريين الشبان المفرغين من أي ثقافة سياسة مناسبة لتقليد دول كبيرة أخرى في العالم الغربي ، وخاصة التجربة الفرنسية .
غير أن فكرة النظام الجمهوري يستحيل أن تكون ناجحة إلا في مجتمع يمتلك بنية مؤسسية قوية وراسخة لحكم "الجمهور" وليس حكم النخب العسكرية التي تحكم بالسلاح والقهر وتتاجر باسم الجمهور ، تحتاج تجربة "الجمهورية" إلى مؤسسات ديمقراطية ، برلمان حقيقي وضمانات انتخاب شفافة ومحمية ودستور عصري له هيمنة حقيقية على الواقع وليس مجرد ورق وحبر ونظام للعدالة يحمي استقلاليتها وفصل حقيقي بين السلطات وثقافة مجتمع لا تتساهل مع أي عدوان على حقوقها في الشأن العام ، ومستوى من التعليم لقاعدة متسعة من الطبقة الوسطى وتقليل الأمية التعليمية والأمية السياسية أيضا ، وهذا ما منح الفكرة الجمهورية نجاحها في فرنسا وإيطاليا وغيرها ، ولكنها فشلت بالكامل في العالم الثالث لأن المجتمعات والدول لا تملك مثل هذه البنية المؤسسية الديمقراطية الراسخة ، وبالتالي تحولت فكرة حكم "الجمهور" أو "الجمهورية" إلى مجرد رمز جامد وستار لسيطرة النخب العسكرية على مقاليد السلطة ، بطريق مباشر أو باستخدام غطاء شكلي ، أو أن يتحول أحد أبناء المؤسسة إلى الثياب "الملكي" ليقال أن الحكم مدني وليس عسكريا .
هاجس البحث عن شرعية الذي يضغط بصفة مستمرة على كل النخب العسكرية الحاكمة في العالم الثالث ، ويبحثون له عن مبرر جديد باستمرار ، نظرا لافتقارهم إلى الشرعية السياسية التاريخية التي تعرفها النظم الملكية وكذلك افتقارهم للشرعية السياسية المبنية على اختيار حر للشعوب في نظام ديمقراطي شفاف ، تدفع تلك النخب العسكرية دائما إلى تعزيز السيطرة الأمنية على الحياة العامة وفي القلب منها الحياة السياسية ، وتعزيز هيمنة أجهزة الأمن والاستخبارات بمختلف صورها ، والحرص على وجود تعددية أمنية وليس تعددية سياسية ، لإحكام السيطرة ومنع أي قفز جديد على كرسي الحكم من أي مغامرين جدد ، ومحاصرة الشعوب بترسانة من القوانين المقيدة للحريات والمروعة لأي نشاط عام ، والاستفادة من انتهازية صفوف طويلة لمرتزقة يتزلفون للقوة الغاشمة الجديدة لاقتناص بعض فتات السلطة ماديا ومعنويا ونفوذا ، من كتاب ومثقفين وإعلاميين وصحفيين وفنانين وقضاة ورجال دولة تكنوقراط لصناعة مناخ وهمي داعم للنظام الديكتاتوري ومحصن له ومجمل لوجهه .
وبدا في معظم تجارب جمهوريات العالم الثالث أن تعزيز قدرات الجيوش تسليحا وتدريبا كان المقصود منه السيطرة على الشعوب وليس مواجهة حروب خارجية ، إلا ما ندر ، فالجيوش تعد لردع الداخل وليس الخارج ، وكان واضحا في تجربة سوريا كيف كانت جميع الحروب التي خاضها الجيش السوري على مدار نصف قرن تقريبا ، من بعد حرب أكتوبر ، ضد الشعب السوري وضد الشعب اللبناني وضد الشعب الفلسطيني ، واستخدم الطيران والمدفعية والدبابات وكل أنواع السلاح بما في ذلك السلاح الكيماوي المحظور دوليا للسيطرة على شعبه وقمع ثورته وارتكب مذابح مروعة لم يجرؤ على مثلها الاحتلال "الإسرائيلي" نفسه ، وعندما عجز جلب جيوشا أخرى إيرانية وروسية وميليشيات أجنبية من أجل دعمه في حربه على الشعب ومحاولة السيطرة على انتفاضته ، وفي اليمن كان واضحا أن الجيش الذي أعده علي عبد الله صالح وأنفق على تسليحه عشرات المليارات من الدولارات كان يعده للسيطرة على شعبه وإحكام قبضته على السلطة ، وها هو يخوض ـ بنفس تلك القوات الموالية له ـ حربا مدمرة ضد بقية الشعب اليمني ، وفي ليبيا كذلك وظف القذافي وأولاده كل قدرات الجيش من طيران ودبابات ومدفعية وصواريخ لقمع ثورة الشعب الليبي وارتكب مذابح وحشية في عدة مدن قبل سقوطه .
على المستوى السياسي خلفت تجارب النظم الجمهورية كوارث قومية في العالم العربي ، وانتهت معظمها إلى تفتيت بلدانها وتشظيها فضلا عن انهيار مقومات الدولة ، ويمكن النظر بسهولة إلى تجربة العراق أو سوريا أو اليمن أو ليبيا على سبيل المثال ، وكلها دول في طريقها إلى التقسيم الآن ، كما أن النظم الجمهورية التي رفعت شعارات قومية انتهت إلى الفكرة "القطرية" وتقسيم المقسم ، بل إن النخبة العسكرية التي حكمت مصر بعد حركة الجيش في يوليو 1952 تنازلت عن أكثر من نصف البلاد طوعا بعد أقل من ثلاث سنوات من توليهم الحكم ، فانفصل السودان ، الذي كان يقول الزعيم الوطني "المدني" مصطفى النحاس عنه : تقطع يدي ولا ينفصل السودان ، العسكريون تركوه بكل سهولة ، والفكر الاشتراكي الذي استخدموه حينا لستر وضع الإفقار الذي فرضوه على شعوبهم انتهى إلى نظم رأسمالية فاسدة ومتوحشة وفوضوية ، والنضال ضد "إسرائيل" الذي طالما تاجروا به انتهى إلى سباق من أجل تعزيز العلاقات معها سرا أو علنا أو خدمة مشروع السلام الأمريكي المطروح ، ودع عنك أن كل تلك التجارب انتهت بدولها وشعوبها على المستوى التعليمي والصحي والتقني والبيئي والإنساني إلى قاع الأمم .
مرت البشرية بأطوار من النظم السياسية ، من النظام الامبراطوري العابر للقارات إلى الممالك الممتدة عبر الطوائف والأعراق إلى الدولة الدينية إلى الدولة القومية ، ولا ندري إلى أي مرسى آخر سترسو رحلة البشرية في المستقبل ، غير أن المؤكد أن التطور العلمي والتقني والإنساني بشكل عام والذي جعل العالم قرية كونية واحدة ، متداخلة التأثر والتأثير ، سيجعل من أصداء أي تحول سياسي في أي بقعة من العالم مؤثرا بحسم في بقية أجزائه ، والعالم العربي ليس استثناء من هذا التأثر ، ولعل رياح الربيع العربي كانت مؤشرا على هذا التأثير الإنساني ، في مجال الحريات العامة وحق الشعوب في الشراكة في تحديد مستقبلها ، وأعتقد جازما أن الوقت لن يطول قبل أن يحقق هذا الربيع أشواق الشعوب في المنطقة العربية .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • ظهر

    11:45 ص
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:31

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى