• السبت 18 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر04:06 م
بحث متقدم

عندما طاردنا (التاريخ) وطردناه

مقالات

أخبار متعلقة

تربطني بالمؤرخ الكبير، الصديق والأستاذ د. "عاصم الدسوقي" ( 1939 _ .. )، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة "حلوان"، أوثق الصلات، وقد جمعتنا ندوات ومؤتمرات كثيرة، والتقينا مرارًا داخل الجامعة، وخارج أسوارها، فلم يقم بيننا إلا كل ود، وسنحت لي فرصة استضافته في كثير من الحصص الإعلامية التي قدمتها في الفضائيات، أعني الحصص التي تتصل بالتاريخ عمومًا، وبتاريخ القضية الفلسطينية بالخصوص. وله في المكتبة التاريخية ما يربو على ستين دراسة موسعة ضافية أفدنا منها جميعًا بلا جدال. وقد تابعت أحدث ظهور إعلامي له مع المذيعة "مروج إبراهيم" على قناة "سي بي سي إكسترا"، معلقًا على قضية "يوسف زيدان ورأيه الضحل في "أحمد عرابي" الزعيم التاريخي الشهير.  تابعت الحصة الإعلامية الشهيرة، بالفعل، حتى نهايتها، وهي الحصة الإعلامية التي أصبحت حديث الناس والشغل الشاغل في الفضاء الأزرق و"الفيسبوك" طوال الساعات الماضية، حيث انفعلت عليه المذيعة بعجرفة تجاوزت كل الحدود، ومضت تلقنه _ فيما توهمت_ دروسًا في فن الأسئلة والأجوبة، وأصول التخاطب، بل نعت عليه وعابت موقفه لأنه _ بتعبيرها ! _ "لم يفهم أسئلتها العميقة !"، ولاحظت أن د. عاصم _ وأرجو أن يتسع صدره لملاحظتي _ قد بادلها عصبية بعصبية، وحدة بحدة، وهو الكبير سنًا وموقعًا، حيث اتهمها بأنها "لا تفهم ألف باء الحوار" وصرخ فيها معنفًا بصوت زلزل الأستوديو: "فين السؤال ؟! "فتحولت الحصة الإعلامية _ فيما أرى _ من "خطأ أوحد" إلى "خطأ متبادل" أو "شبه متبادل"، فقد كان بمقدور د. عاصم _ برصيد خبرته المشهودة _ أن يمتص نزق المذيعة المتعجرفة، ويردها إلى الجادة المثلى أو السلوك الإعلامي السوي، بأستاذيته المعهودة.
 تلاحقت الأحداث فيما بعد، وقررت إدارة القناة إيقاف المذيعة عن العمل، والتحقيق الموسع فيما حدث، وأصدرت بيانًا اعتذاريًا عما حدث مع المؤرخ الكبير د."عاصم الدسوقي ". ولكن بدا لي ما حدث _ في مجمله _  هو قمة الجبل الجليدي، حيث تستر المياه في عمقها المغيب عن الأنظار، مجموعة من الحقائق والمؤشرات الأكثر خطورة مما  يظهر على السطح .
 وأول المؤشرات التي يمكن استخلاصها مما جرى، أن الميديا المصرية، قد أصبحت "وحشًا ضاريًا" مجنونًا أفلت من عقاله وخرج عن سيطرة الجميع، بمؤازرة، ودعم معلن من السلطة والأجهزة الأمنية التي تتدخل  بصورة مكشوفة، في كل شاردة وواردة في مؤسسات الإعلام المصري بفرعيه: العام (ماسبيرو) و (الخاص) (المؤمم حاليًا حتى إشعار آخر!)،  فمضى الوحش المنفلت ينبح بلوثة هستيرية ويعقر الجميع بأسنانه بلا أي تمييز، فلم ينج من عقره وإيذائه الرهيب، الرموز والكبار،  فضلًا عن الوقور المؤيد للمرحلة د. عاصم الدسوقي! لقد اتهمت المذيعة "مروج" بالخروج عن "مدونة السلوك" وخرق ضوابطها، والسؤال: وهل التزم "أحمد موسى" في حصصه العدوانية / الدامية بأية مدونات للسلوك ؟! (مقاطع الحض الصريح على القتل مازالت موجودة على الـ "يوتيوب"!) وهل التزم "الإبراشى" بمدونات السلوك وقد كمم أفواه ضيوفه وأذلهم عشرات المرات بمرأى الجميع ؟! (الشواهد تجل عن الحصر). وهل التزم "عمرو أديب" في حصصه الإعلامية المريضة بأية ضوابط، وقد جعل منها منبرًا لتجريف كل مراحل التاريخ: القديم والحديث، وتحويل رموزه الكبيرة إلى " قطاع طرق " و"شذاذ آفاق"، بمساعدة "يوسف زيدان"؟! هل "مروج إبراهيم" هي وحدها المخطئة ؟! وقد آثر بعض صناع القرار في المرحلة  تحويل الاستوديوهات، إلى محطة آثمة لقنص المعارضين أو المتحفظين وذبحهم معنويًا بفجور؟! أين "ميثاق الشرف المهني" Code of ethics _ كما يسميه الخبراء الإعلاميون _ في كل برامجنا وحصصنا الإعلامية مجتمعة، يشتم الإعلامي الضحايا بعربدة و جنون، لساعات تطول ثم يعود ليشتم مجددًا بصورة متكررة، ومحرك عرائس الماريونيت من خلف الكاميرا يبتسم ملء فمه بنشوة متشفية مريضة دون حساب! عندما اتهمت الـ "بي بي سي" اللورد البريطاني "ماك ألباين" ببعض الاتهامات المشهرة  دون أدلة، انتهى الأمر بتقديم المير العام للبي بي سي، "جورج أنتويسل" استقالته دون نقاش، لأن أعراض الكبار وسمعتهم وخصوصياتهم ليست لعبة، لكنها في مصر المحروسة لعبة مستباحة دائمًا!.
 وثاني المؤشرات أن طرد د. عاصم من الأستوديو بالصورة الدرامية التي شاهدناها _ مع رمزيته الكبيرة المهيبة برغم أي خلاف فكري معه _ هو، في جوهره، طرد "للتاريخ" الحقيقي، وعداء سافر له، ورغبة مفتضحة معلنة في تجريفه لآخر حدث، وطمسه تحت التراب لآخر رمز باق ٍ في الوجدان، وهي سمة ملازمة لهذه المرحلة العجيبة التي لم تبق كبيرًا في التاريخ إلا وشهرت به، ولم تدع رمزًا إلا ودمغته بكل نقيصة شائنة، فلم ينج أنبياء و لا صحابة ولا فاتحون ولا زعماء وطنيون، من هذه الاستباحة المنحطة الشاملة، التي أصبحت ملازمة لهذه المحطة العجيبة من تاريخ مصر، وهي محطة متسمة بـ"تجريف" أي وعي تاريخي، بما ينجم عنه في النهاية خلق إنسان مصري أجوف بلا أية ولاءات، وبحماية كاملة من السلطة. لم يكن ما حدث في استوديوهات سي بي سي إكسترا طردًا لرجل مسن، ممتلئ علمًا، خارج الاستوديو بطريقة فجة متغطرسة، لكنه كان طردًا للتاريخ، وثأرًا مبيتًا من رمزيته و حضوره، وللحديث بقية.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • مغرب

    05:00 م
  • فجر

    05:03

  • شروق

    06:30

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى