• السبت 18 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر12:17 م
بحث متقدم

في انتظار توجيهات عليا !

مقالات

أخبار متعلقة

بعد مرور 24 ساعة على وقوع جريمة "الواحات" الإرهابية خرج بيان وزارة الداخلية بشأنه، خلال تلك الفترة كان الإعلام الخارجي خصوصاً يتحدث كيفما شاء عن العملية، وجوانب متخيلة عن كيفية حدوثها، وعدد الشهداء الذي كان يرتفع من وسيط إعلامي إلى آخر، الإعلام المحلي لم يقترب من التغطية لأنه يتحرك بالريموت كنترول، وله بعض العذر في ذلك.
في ظل غياب البيان الرسمي السريع، ولو كان من سطرين، ثم تعقبه بيانات أكثر تفصيلاً، وفي ظل غياب التعليق الرسمي السريع، ولو كان من كلمتين، ثم تعقبه تعليقات أكثر اتساعاً ووضوحاً، هل يمكن لوم آلة الإعلام التي تعمل بلا توقف على مدار الساعة ووقودها الذي يجعلها على قيد الحياة هو الأخبار، وصناعة الأخبار، والاجتهاد في الحصول على المعلومات من مختلف المصادر لإعداد قصصاً إخبارية وتقارير وتحليلات لإرضاء جمهورها، وملأ ساعات البث، والتفوق على المنافسين؟.
 الاعلام من صحف، وبوابات، ومواقع إخبارية، وفضائيات، ووسائل التواصل، صار غولاً يستحيل  السيطرة عليه اليوم، وهو لن يغلق فمه في انتظار بيان يُكتب  بعد وقت طويل، ثم يُعرض على المسؤولين، ثم يصدر الإذن بنشره، ثم في النهاية يكون ما تضمنه لا يشفي الغليل، ولا يجيب عن الأسئلة المطروحة، ثم يُختم بتلك العبارة " وتهيب الوزارة - أي وزارة الداخلية - بوسائل الإعلام تحرى الدقة فى المعلومات الأمنية قبل نشرها، والاعتماد على المصادر الرسمية وفقاً للمعايير المتبعة فى هذا الشأن".
نتفق في نقطة تحري الدقة في المعلومات، فهي قيمة مهنية أساسية لم تعد موجودة كثيراً، وبعض وسائل الإعلام لم تعد تهتم بما يكفي بالقيم المهنية والأخلاقية في عملها، وربما لا يعلم بعض أو كثير من المشتغلين فيه بوجود تلك القيم من الأصل، صار الإعلام مهنة من لا مهنة له، أما مسألة الاعتماد على المصادر الرسمية في الحصول على المعلومات قبل نشرها، فهذا كلام جميل ومطلوب، لكن أين هي تلك المصادر الرسمية؟، لم تظهر المصادر الرسمية إلا مساء اليوم التالي للجريمة، أي بعد يوم وليلة ؟، فهل كان على الإعلام أن يأخذ إجازة من التغطية؟، الإعلام المصري حصل على تلك الإجازة مضطراً، فهو لا يستطيع أن يغرد خارج سرب التوجيهات العليا، أو يجازف ويغطي من نفسه إلا القليل منه الذي كان يجتهد بحذر لتقديم معلومات شحيحة، أو تفسيرات وخلفيات لإشباع رغبة قارئه ومشاهده في اطلاعه على ما يجري، ومحاولة مجاراة ضخ وكالات أنباء وتلفزيونات العالم المتحررة من قيود الضغوط الرسمية.
نعذر أيضا وزير الداخلية الذي كان مفترضاً أن يظهر بعد وقوع الجريمة ليدلي بتصريح يقول فيه ماذا يجري؟، وما هو الموقف لحظة حديثه؟، نعذره رغم أنه المسؤول المباشر عن الخوض في الموضوع لأن طبيعة النظام السياسي في مصر تجعله لا يتكلم علناً إلا بموافقة عليا، ممن يمسك بكل خيوط السلطة التنفيذية في يديه، ومساحة الحركة لمن دونه من المسؤولين محدودة، وغالباً يكونون في حالة انتظار دائم للضوء الأخضر للظهور أمام الرأي العام في مثل هذه الحالات، إلا إذا كان متاحاً لهم الظهور، وهم لا يفعلون.
العملية ربما استغرقت بعض الوقت، ثم بدأ تمشيط القوات للمنطقة والسيطرة عليها بعد الخروج من مفاجأة مبادرة المجموعات الإرهابية بإطلاق النار عليها، وهذه التطورات كانت تتطلب أن يظهر مسؤول ليتحدث ولو قليلاً، ثم يكرر الخروج بعدها ليشرح ما جرى بالتفصيل، وبذلك سيكون ما يقوله هو الرواية الرائجة المعتمدة في الإعلام المحلي والعالمي، ويكون بذلك قد أغلق الباب أمام أي تضخيم أو تهويل، لكن عندما يكون هناك صمت، فمن الطبيعي أن تكثر الأقاويل والاجتهادات والإشاعات والفبركات والتلوينات والتوظيفات للجريمة، وليس مستغرباً ذلك خصوصاً وأن المعلومات عن أعداد الضحايا كانت تُنسب لمصادر أمنية لا تصرح باسمها.
في الحوادث الإرهابية، وحتى الجنائية الكبرى، في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وأمريكا وغيرها من بلدان العالم الحر سنجد الحاكم، سواء كان الرئيس، أو رئيس الحكومة يتحدث لشعبه، ويستيقظ لو كان نائما وفي وقت متأخر من الليل، ويعقد اجتماعا أمنياً يطلع من خلاله على التفاصيل المتوفرة، ثم يدلي بتصريح للإعلام عما لديه لطمأنة الناس، وتمتين الوحدة الوطنية في لحظات الأزمات والمخاطر، كما يعد بمزيد من المعلومات مع استمرار التحقيق في الجريمة.
لكن في مصر لا يتحدث أحد، إنما مجرد بيان رسمي يصدر بعد ساعات طويلة، ثم لما تكون هناك مناسبة ما في أيام تالية قد يتحدث رأس الدولة، وقد لا يتحدث، لكن الحدث يكون قد هدأ، وتراجعت أهميته في أجندة الإعلام.
في الغرب يدرك القادة أن وجودهم في مناصبهم مرهون بقدرتهم على حماية شعوبهم، وتوفير الأمن والأمان والحياة الكريمة لهم، وطمأنتهم وقت الخطر، والمصارحة والشفافية معهم، فقد يترتب على ذلك الفوز أو الخسارة في أقرب انتخابات، أو الصعود و الهبوط في الشعبية، وهناك برلمانات تحاسب، ومعارضات قوية تجلد الحكومات، وإعلام مستقل يراقب، ومنظمات مجتمع مدني فعالة، وشعوب يقظة وواعية.
استيقظت تريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا في الثالثة ليلاً من نومها لتعلق على أحد الحوادث الإرهابية التي تعرضت لها بلادها خلال الفترة الأخيرة.
وعندما يحدث تريث قليلا من جانب رأس النظام انتظاراً لتقديم معلومات مفيدة لشعبه، فإن وزير الداخلية، أو قائد الشرطة، أو عمدة المدينة، يظهر أمام الرأي العام بشكل عاجل.
لا يبدو أنه في ظل السياسة العامة القديمة الجديدة الحاكمة للبلاد سيتم مراجعة مجمل تلك السياسات حتى في تقدير الرأي العام الداخلي والخارجي، دولة المؤسسات لا تزال حديثاً إنشائياً، أما دولة "الرجل الكبير" فهي الواقع والحقيقة.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • عصر

    02:40 م
  • فجر

    05:03

  • شروق

    06:30

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى